طرابلس بلا فنادق

تعوّدت مدينة طرابلس أن تكون شاهدةً على انهيارات مرافقها، واحدًا تلو الآخر. منذ عقودٍ طويلة، لم تنل حقّها “الطبيعي” بالحدّ الأدنى من المشاريع الإنمائية الموعودة بها. لقد تحولت إلى مدينةٍ تعيش على آمال وعودٍ وهمية، تطلقها الدولة والطبقة السياسية الحاكمة عند كلّ موسمٍ انتخابي، ثمّ تمضي كأنّ شيئًا لم يكن. حتّى هذه الوعود “الانتهازية”، لم تضع من باب “الحياء”، حدًّاً لآلة الإنهيار التي لا تكفّ عن النهش بمقومات طرابلس ومواردها، والتي كانت كفيلة أن تضعها بمصاف أهمّ الدول العربية الساحلية، بدل أن تبقى مثقلةً بحمل لقبها المخزي والتراجيدي: أفقر مدينةٍ على حوض البحر المتوسط.

يدرك الطرابلسيون أنّ “البكاء” ما عاد نافعًا. وأنّ الصراخ في أودية الحرمان والعزلة والتقهقر ليس له أيّ صدى. هم يعيشون في مدينة يتداعى فيها السقوط بمختلف القطاعات والميادين. إنّها الحقيقة المرّة والموجعة، لكنّها الواقع المعاش يوميًا بكلّ تفاصيله. تشبه طرابلس المدينة “العارية” من كلّ شيء. بالكاد نجا فيها مرفأ طرابلس البحري الذي يشهد حركة تطويرية واسعة ينتظر اكتمال فصولها أهل المدينة على أحرٍّ من الجمر، عساها أن تنفخ الروح بآمالهم البائسة والمحبطة. أصبحت نظرية المؤامرة متأصلة في نفوس الطرابلسيين، وهم يؤمنون أن مدينتهم تتعرض للظلم على يدي سلطتها المحلية والدولة. تبدو كأنها مدينة اللا مشاريع واللا إنماء والمرافئ المعطلة، ومدينة يبحث شبابها عن فرص عملٍ معدومة.

لكنّها في المقابل، هي المدينة الأكثر اندفاعًا تجاه قياداتها ورموزها السياسية، وكلّ ما فيها يعبر عن أحوالها. في أحيائها وشوارعها وأسواقها، وعلى مداخلها وأبنيتها ومحالها ترتفع صور زعاماتها السياسية والأمنيّة. وفي المقابل أيضًا، ينكبّ السواد الأعظم من الطرابلسيين للتعبير عن نقمتهم على هذه الزعامات، إلى أن يثبتوا أن مدينتهم هي مدينة التناقضات بامتياز.

آخر فصول “السقوط”، كانت بإغلاق فندق “الكواليتي إن” في منطقة المعرض، قبل نحو الشهرين. وحتّى الآن، لا تزال طرابلس ضمن نطاقها الجغرافي من دون فندقٍ واحدٍ ولو بنجمة! ومن عجائب هذه المقاربة، أنّ مناطق لبنان برمتها، بما فيها من بلدات وقرى جبلية نائية، فيها عشرات الفنادق، ومن المستحيل أن يخلو إحداها من فندقٍ واحد. أمّا طرابلس، وهي “عاصمة لبنان الثانية” بعد العاصمة المركزية في بيروت، فقد أغلق فندقها “الوحيد” أبوابه، بعد صراعٍ طويل استمرّ لسنوات بين إدارة معرض رشيد كرامي الدولي والشركة المشغلة للفندق، وقد أخلته وأعادته لكنف إدارة المعرض والدولة، نتيجة إهمالها وسوء إدارتها وتخلفها عن الصيانة ودفع المستحقات المالية.

هذا الإغلاق، وُصف كأنه تمهيد لانطلاق مرحلة جديدة من تشغيل الفندق، إذ كان من المفترض أن تبادر إدارة المعرض لفتح باب المناقصات ووضع دفتر شروط بمواصفات عالمية، إلى أن تفوز إحدى الشركات المتخصصة بالفنادق بصيانته واستثماره وتشغيله من جديد. لكن حتّى الآن، لم يحدث أي شي لإعلانه رسميًا، فيما طرابلس مدينة تعيش من دون فندق.

وللتذكير، فإنّ فندق “الكواليتي إن” أبصر النور قبل نحو 19 عامًا، وترافق افتتاحه مع مناسبة استقبال طرابلس لأربعة منتخبات مشاركة في كأس آسيا بكرة القدم التي نظمها لبنان في العام 2000، في الملعب الأولمبي. وها هو الملعب الأولمبي أغلق وتحول لثكنةٍ عسكرية، كذلك  الدور جاء على الفندق هذا العام. ومن المخزي بحق شركة “خدمات وإنماء” التي كانت مشغلة للفندق، هو أنّ الأخير فقد اسمه “الكواليتي إن”، وتحول لقبه لـ “فندق معرض رشيد كرامي الدولي”، نتيجة الدعوى التي كانت تقدمت بها شركة “كواليتي إن” العالمية، ضد شركة “خدمات وإنماء”، بسبب امتناعهاعن دفع المبالغ المتوجبة عليها والمتعلقة باستخدام الاسم والعلامة التجارية العالمية.

المفارقة اللافتة في قضية الفندق، هو أنّ إغلاقه كان لا بد أن يكون دافعًا لإعلان حالة طوارئ في المدينة. وبدل أن تكون شاهدةً على افتتاح أعدادٍ أخرى من الفنادق، أُغلق فندقها الوحيد من دون أن يتحرك ساكن لدى الوزارات المعنية والقيادات السياسية، وبوتيرةٍ تكون موازيةً لحجم الأزمة، ومن دون التفكير بحال المدينة السياحي وهي لا تحتوي على أماكن لائقة حتّى يبيت فيها زوارها. ثمّ نسأل: لماذا لا تنشط السياحة في طرابلس؟ ولماذا لا تشهد حركة ونشاطًاً حيويًا كحال مدنٍ وقرى أخرى في البلد؟

كان من العار أن يسمح أحد لبقاء طرابلس ولو لأسبوعٍ واحدٍ من دون فندق، إلى حين تشغيله من جديد. والأكيد أنّ هذا الوضع لم تشهده أيّ “مدينة” ساحلية في العالم مهما صغر حجمها أو قلّ شأنها. الفنادق هي وجه من وجوه المدن الحضارية، وهي البوابة التي يدخلها الغرباء وحتّى أبناء البلد نفسه لزيارتها والتجول فيها والتّعرف عليها، لكنّ طرابلس تخلو منها من دون ذريعةٍ وجيهة!

كان الرئيس الراحل عمر كرامي يردد جملة شهيرة يقول فيها: “طرابلس لا تحتاج إلى مشاريع جديدة من أجل النهوض بها، بل إن مشاريع المدينة موجودة وظاهرة للعيان لكنها تحتاج الى قرار جدي وصادق من الدولة”. هذه المشاريع، تتلخص بمرافق طرابلس المهمشة والمعطلة، وها هو الفندق ينضمّ لها، بصورةٍ فادحةٍ، ومن دون استعجالٍ في الخطوات لتدارك الفراغ الذي نتج عن هذا الإغلاق، فيما الخجل سيبقى قائمًا لدى سؤال أيّ زائر عن فندقٍ في طرابلس، ليكون الجواب: لا يوجد فنادق في طرابلس!

جنى الدهيبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *