الأزمات مفتعلة

كثرت هموم الوطن والمواطن وتعددت أسباب “الشقاء”، ويبقى القرف من الحالة التي آلت إليها الأوضاع “واحدة”! الكل مستاء من واقع لم يعد السؤال من حوله يجدي بعدما كثرت الإجابات وتنوعت مصادرها دون أن تحمل في طياتها حلولاً للأزمات العالقة، أو دون أن نعرف إن كان هناك بالفعل “أزمة” أم ان ما يدور من حولنا هو فقط افتعال “لأزمات ليس إلا؟؟!!”.

بالأمس القريب بدأ الحديث عن أزمة انعدام الدولار من الأسواق اللبنانية قابله ارتفاع ملحوظ في أسعاره، إن وجد، في الوقت الذي انصرف فيه حاكم مصرف لبنان الى طمأنة الناس بأنه ما من أزمة دولار والليرة اللبنانية بألف خير، تطمينات لم تسمن أو تغني عن جوع، بعدما نفض الصيارفة أياديهم من “تأمين الدولار لكل من يطلبه” تماماً كما المصارف. فإلى من يتجه المحتاج؟!

بلبلة كبيرة خلّفتها هذه الكارثة دون أن يكون هناك أي جواب شافٍ من قبل المسؤولين والذين راحوا يتقاذفون المسؤوليات.. الكل يسعى الى رمي الكرة في ملعب الآخر، وإزاء هذا الأمر كان لا بد للمواطن من السعي الى تأمين “القرش الأبيض” خوفاً من اليوم “الأسود”. البعض اشترى الدولار بأسعار مرتفعة ليحتفظ به، والبعض الآخر قام بسحب كل أمواله من المصارف وإيداعها ضمن المنازل جراء انعدام الثقة بالمصارف، مما انعكس سلباً على الحركة التجارية وكأنه كان ينقصها المزيد من الخضات، الأمر الذي دفع التجار الى إعلان الإضراب لساعة واحدة فقط وإقفال محلاتهم، على أمل أن يكون لهذه الخطوة الصدى المسموع وإلا فإن التصعيد سيكون سيد الموقف، وربما يكون هناك توجه الى إقفال المؤسسات والمحال التجارية وتسليم المفاتيح الى حاكم مصرف لبنان، فتكون هذه الخطوة بمثابة “إطلاق رصاصة الرحمة على وضع ضاغط منذ سنوات” حيث بلغ عدد المؤسسات التي أقفلت أبوابها وأشهرت إفلاسها 30 مؤسسة.. “والحبل على الجرار”.

المواطن بين الصيارفة والمصارف

ما الذي يجري داخل المصارف وفي أروقة محلات الصيرفة؟ وأين ذهبت مفاعيل تعميم حاكم مصرف لبنان والذي يقضي بتعاون إدارات المصارف مع صغار المقترضين بالعملات (retail loans) لتسوية قروضهم بالليرة إذا كانت مداخيلهم بهذه العملة الأخيرة، وهل ان مراقبة تتم من قبل المعنيين لمتابعة تنفيذ التعميم بحذافيره!!

الواقع أن الإجراءات التي اتخذها حاكم مصرف لبنان لم تنشّط الأسواق كما توقع البعض، بل على العكس بقيت أزمة فقدان الدولار من الأسواق تتفاعل، وعلت صرخة المواطن والذي لم يسمح له بدفع قروضه بالليرة اللبنانية، كما صدر في التعميم، بل على العكس أتى التعامل معه من قبل المصرفيين “أصغر موظف وصولاً للمدير” بطريقة خارجة عن المألوف، وكأن “المواطن” هو من اختلق الأزمة والتي لم تعرف أسبابها الحقيقية حتى الساعة، فالمصارف تطالب المواطن بتأمين الدولار لدفع قيمة سنداته، وتبدأ حيرته التي لا تنتهي ليس لطلب الاقتراض وإنما لدفع السندات المتوجبة عليه. وقد روت الماوطنة راغدة لجريدة “البيان” كيف تعامل معها الموظف في أحد المصارف لحظة إقدامها على دفع سند سيارتها إذ قال: “ليتم تأمين قيمة السند بالدولار وإلا فإن المشكلة مشكلتك”. وتابع الموظف قائلاً: “الدولار متوفر لدى الصيرفي، وعليه مسؤولية تأمينه وكمصارف غير معنيين لا بالتعميم ولا بأي قضية أخرى، سوى قبض السندات “بالدولار”.

هكذا بدأ الجدل بين راغدة والمصرف الذي اقترضت منه ثمن سيارتها منذ أربع سنوات وكل شيء كان يسير بطريقة سليمة الى أن بدأت الأزمة واصطدمت بالرفض القاطع من قبل المصرف قبول السند بالليرة اللبنانية، حينها توجهت المواطنة راغدة الى أحد الصيرفيين فأتت الإجابة بأنه ما من “دولار”، فماذا تفعل؟ وكيف تنقذ نفسها من ورطة لا ناقة لها فيها ولا جمل؟”

هذا وفي نفس الوقت تبرز ظاهرة “الواسطات” التي تترافق وهذه القضية كما سائر القضايا، حيث ان هناك مواطناً رفض الإدلاء باسمه يؤكد على “أنه حصل على الدولار من أحد الصيرفيين كونه على علاقة جيدة معه” مما يعني بأن الدولار متوفر في السوق وليس كما يشاع، وربما الصيارفة يخفونه “لغاية في نفس يعقوب”! ومن جهة أخرى هناك من دفع قيمة سنده بالليرة اللبنانية في بعض المصارف، والتي حسبما يبدو لا تتبع نفس “الأنظمة والقوانين”، باختصار “الكل فاتح على حسابه”.

… وبين أزمات البنزين والخبز

كل هذا وأزمة المواطن مع البنزين لم تعد مفهومة!! فللمرة الثالثة على التوالي يعلن أصحاب المحطات وموزعو البنزين الإضراب المفتوح فجأة، ويتهافت المواطن على المحطات بهدف “التفويل”، وبمجدر الانتهاء من هذه المعمعة تعود البيانات التي تؤكد انتهاء الأزمة وبأن اجتماعات عقدت في سبيل تأمين البنزين لكل التجار، مما يطرح الكثير من علامات الاستفهام: من هي الجهة المستفيدة من بث الرعب في نفوس المواطنين، وهل للمحطات الدور البارز في تحقيق الأرباح من قبل التهافت عليها؟ أو هل ان هناك صفقة ما يتم تمريرها سواء لجهة نوعية البنزين أو الطريقة التي يتم التعبئة بها وإفراغ الخزانات من الوقود؟ ومع البنزين يبدأ الحديث عن الخبز والأدوية وكل ما من شأنه أن يمس بحياة المواطنين اليومية ويدفعهم “للثورة” في وجه السلطة الحاكمة الظالمة!!

تحقيق: روعة حفار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *