مشروع الإشارات الضوئية: تصميمه هجين وهدر للأموال ..

أعلنت بلدية طرابلس منذ أشهر عن انطلاق العمل في مشروع الإشارات الضوئية التي حددتها في 11 تقاطعاً بمختلف شوارع المدينة، ووضعت لها مهلة الستة أشهر كحد أقصى لإنجاز هذا المشروع التي تعتبره بلدية طرابلس خشبة الخلاص لأزمة السير الخانقة والفوضى العارمة التي تصيب معظم شوارع الفيحاء. إنتهت المهلة المحددة لإنجاز مشروع الإشارات الضوئية، وكان من المفترض أن تكون التقاطعات الـ11 جاهزة وتعمل فيها الإشارات الضوئية. لكننا نفاجأ بأنه لم يتم العمل إلا على إنجاز ثلاثة تقاطعات هي (البحصاص- النيني– والمئتين). وحتى الساعة، أثبتت تلك التقاطعات، مع العلم أن الإشارات الضوئية لم تركّب فيها بعد، أثبتت عدم جدواها في تخفيف العجقة، لا بل زادت الزحمة و ارتفعت نسبة الحوادث خاصة عند تقاطع النيني. وبما أن بلدية طرابلس كانت قد تلقت العديد من الملاحظات حول هذا المشروع من قبل المهندسين والمختصين ومن أبناء المدينة، غير أنها أدارت أذنها الصماء، وصممت أن تتحدى الجميع وان تبقي المشروع على ما هو عليه دون تعديلات ضرورية قدمها لها العديد من المتخصصين في هذا المجال.

سنتناول مع الدكتور المهندس هاني الناغي، أخصائي في هندسة النقل والمواصلات، الأسباب الكامنة وراء عدم إنجاز مشروع الإشارات الضوئية بشكل كامل، وسنطرح معه جدوى هذا المشروع ونجاحه أو فشله في تقليص أزمة السير التي تعاني منها المدينة.

ينطلق الدكتور هاني الناغي في لقائه معنا معلقاً: “إنقضت مهلة الستة أشهر المقررة لإنجاز 11 تقاطعاً وتركيب إشارات ضوئية  فتم تنفيذ 3 تقاطعات والمشروع ما يزال في بدايته. من جهة أخرى، إن كلفة هذا المشروع عالية جداً. نحن نتكلم عن كلفة وصلت الى 2 مليون و200 ألف دولار، هذا غير الأكلاف الإضافية التي ستزاد لاحقاً. وهناك مركز لتحكم السير يبقى إنجازه من خارج ميزانية المشروع. إذن ما هي قصة هذا المشروع العجيب؟ لُزم هذا المشروع منذ سنوات الى شركة معروفة لكنها رفضت أن تأخذه، فأتوا بشركة أخرى عقدوا معها إتفاقاً رضائياً على أن تقوم بدراسة تلك التقاطعات الـ11 التي تم انتقاؤها عشوائياً من 30 تقاطعاً أشارت إليها دراسة “الجيكا” المعدة منذ 20 عاماً. انتقوا تلك التقطعات الـ11 موزعة بين البحصاص وبعض الشوارع الرئيسية في طرابلس وفي أبي سمراء ليصبح كلفة تركيب إشارات السير للتقاطع الواحد 200 ألف دولار أميركي. وهكذا جاءت هذه الشركة ووضعت تصاميم أقل ما يقال عنها إنها سيئة. إن تلك التقاطعات غير تقليدية وقد تركوا الأماكن التي فيها مستديرة أو ما يشبه المستديرة، وزادوا عليها الإشارات الضوئية. وفي كل مرة كنا نقول لهم إن مهام المستديرة هو تخفيف السير ودمجه، بينما مهام الإشارات هي تقسيم السير الى أجزاء. حين يضعون على المستديرة إشارة ضوئية هذا يعني رفع في مستوى عجقة السير نتيجة السيارات المنطلقة على الضوء الأخضر، والمضطرة أن تستدير حول المستديرة في الوقت نفسه. اخترعوا تعديلات على نقطة البحصاص ستفاقم الطين بلة خاصة مع بداية العام الدراسي والجامعي والضغط الكبير الذي تشهده تلك النقطة. أما في موضوع تقاطع النيني العبقري فقد تركوا جهة واحدة يمكن للسيارات المرور منها، وسيضعون إشارة ضوئية، وقد ضيّقوا الطريق مما سيجعل المرور لسيارة واحدة بعد انطلاق عمل الإشارت في هذا التقاطع، ولنتصور حجم الكوارث التي ستحصل بعد أن تركَّب الإشارة عند هذا التقاطع. تقاطع النيني تصميم مخالف لكل المبادئ الهندسية، وقد زاد من نسبة وقوع الحوادث عليه، هذا بالإضافة الى ان السائقين أصبحوا يخالفون بنسبة أكبر. لقد ضيّقوا الطرقات وألغوا المواقف وزرعوا وسطيات ستشكل عائقاً وستدفع بالعديد الى الإصطدام بها. لم تدرس الشركة المنفذة للتصميم محيط التقاطع لا بل تم وضعه بالمعزل عن محيطه وعن كل المداخل والمخارج والطرقات المتفرعة، لهذا جاءت نتائجه سيئة جداً.”

ويستكمل الدكتور هاني ناغي حديثه: “تتهرب بلدية طرابلس من الأجوبة على أسئلة الناس والمختصين حول سوء تنفيذ هذا المشروع ولديها جواب واحد تردده للجميع: “انتظروا حتى يتم تركيب الإشارات الضوئية ستنحل كل تلك المشاكل.” أؤكد من خلال خبرتي إن تشغيل الإشارات الضوئية سيكشف عيوب هذا المشروع أكثر فأكثر وستكون النتائج كارثية. من جهة ثانية، تسويق فكرة إقامة مركز تحكم بالسير. من مهام هذا المركز الربط بين أعداد كبيرة من التقاطعات والإشارات الضوئية. لكن في وضعنا هنا ماذا سيربط هذا المركز من خلال التقاطعات الثلاثة؟ إنه هدر فاضح للمال حيث سيتم توظيف خمسة أخصائيين في مركز لم يتفقوا أين سيكون موقعه وكلفته خارج كلفة هذا المشروع ليتحكموا بالإشارات على التقاطعات الثلاثة ولا يربط شيء بينها.”

ويختم: “نحن لسنا ضد التنظيم لكن هذا المشروع تصميمه هجين ولا يخدم الفكرة الرئيسية. هل يعقل ونحن في ظل أزمة مالية في البلد أن تُهدَر الملايين على مشروع لا يُستجدى منه الخير؟ إن الأعمال التي نُفِّذت حتى الساعة في هذا المشروع يجب ان تهدم ويعاد دراستها بشكل أفضل، وهذا أمر أصبح صعباً مع تقدم الأشغال والتمديدات، والمتعهد لن يتحمل أي كلفة إزالة الأعمال.”

كارينا أبو نعيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *