إنتخابات المجلس الشرعي في طرابلس تؤكد التنوع السياسي…

أعطت إنتخابات المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في طرابلس وأقضية الشمال سلسلة مؤشرات سياسية أهمها هو الحفاظ على التنوع ضمن الطائفة السنية، وتأكيد حضور عدد من المراجع السياسية فيها وفي مقدمتهم النائب السابق محمد الصفدي الذي نجح في إيصال مرشحه المنفرد الدكتور ربيع دندشي الذي أقفلت بوجهه اللائحتان الى المجلس الشرعي، ما يؤكد أن الصفدي ما يزال الحاضر الأبرز على الساحة الطرابلسية والشمالية كونه حقق خرقاً في معركة إنتخابية قد تكون الأصعب في تاريخ إنتخابات المجلس الشرعي.

لا شك في أن نتائج الانتخابات أظهرت بشكل واضح التوازن السياسي القائم في طرابلس والشمال، حيث نالت لائحة تيار المستقبل ثلاثة مرشحين هم: الدكتور بلال بركة (67 صوتاً) والشيخ فايز سيف (60 صوتاً) وأسامة طراد (59 صوتاً) كما حصلت لائحة العزم بالتحالف مع النائبين فيصل كرامي وجهاد الصمد على ثلاثة مرشحين أيضاً، هم: الدكتور عبد الإله ميقاتي (76صوتاً) والدكتور أحمد الأمين (60 صوتاً) والشيخ أمير رعد (53 صوتاً)، في حين نال المرشح المنفرد المدعوم من النائب السابق محمد الصفدي (54 صوتاً).

في حين كان أول الخاسرين الدكتور هاشم الأيوبي والدكتور عبد الرزاق قرحاني والدكتور مظهر الحموي والمحامي توفيق بصبوص، وهم عملوا ما بوسعهم من أجل تحقيق الفوز، فكانت أرقامهم متقاربة جداً مع المرشحين الفائزين، وللإنصاف فإن المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى قد خسر جهودهم كونهم يتمتعون بالكفاءة والمصداقية والأفق الواسع الذي يحتاجه المجلس في المرحلة المقبلة.

يمكن القول إن الانتخابات شهدت هدوءاً سياسياً ملحوظاً، جعلت التحضير لها يتم بعيداً عن أي إنفعال أو تحد، وذلك بفعل التفاهم الحاصل بين الرئيسين سعد الحريري ونجيب ميقاتي اللذين أرادا أن يمر هذا الاستحقاق من دون أية تداعيات سياسية سلبية، خصوصاً أن المجلس الشرعي هو الهيئة التشريعية للطائفة السنية، وتقع على عاتقه مسؤوليات كبرى، ويحتاج الى كثير من الانسجام والتعاون بين أعضائه بما يمكّنه من مواجهة التحديات التي ستكون أمامه. لكن هذا الهدوء لم يترجم نفسه خلال العملية الانتخابية حيث أظهرت عملية فرز الأصوات بأن كل فريق عمل على التصويت لمصلحة مرشحيه من اللائحتين مع تطعيم كل منها بعدد من المرشحين المنفردين أو تشكيل لائحة من أسماء اللائحتين المتنافستين، وهذا ما دفع تياريّ العزم والمستقبل الى عدم تأليف لائحتين مكتملتين إحتراماً للهيئة الناخبة التي لا يمكن أن يفرض عليها لوائح مكتملة.

وقد شكل العدد الكبير الذي شارك في هذه الانتخابات والذي بلغ 136 من أصل 146 تتألف منهم الهيئة الناخبة ويحق لهم الاقتراع، مؤشراً على اندفاعة لدى هذه الهيئة في ممارسة دورها الديمقراطي وفي المشاركة في تشكيل هذا المجلس الذي من المفترض بعد إنتهاء العملية الانتخابية أن يقوم مفتي الجمهورية الشيخ الدكتور عبداللطيف دريان بتعيين ثمانية أعضاء إضافيين ليكتمل عقده وينطلق في مسيرته الجديدة التي تحتاج الى وحدة الصف الإسلامي، والى أن يكون كل سياسيي الطائفة في خدمته وداعمة له، لا أن يستخدم من أجل دعم مواقف هذا الفريق السياسي أو ذاك، خصوصاً بعدما أثبتت التجارب السابقة أن أي تدخل سياسي في شؤون وقرارات المجلس الشرعي من شأنها أن تضعف مواقفه وأن تجعله يذوب في الخلافات السياسية التي يمكن أن تنعكس سلباً على وحدته وعلى تجانسه، خصوصاً أن المرسوم الاشتراعي رقم 18/1955 والذي ينظم تكوين المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى تنص على أن المجلس هو الهيئة المخولة إصدار النظم والقرارات والتعليمات التي يقتضيها تنظيم شؤون المسلمين الدينية، وإدارة جميع أوقافها الخيرية ومراقبة تنفيذها ومراقبة أعمال المديرية العامة للأوقاف الإسلامية ودوائر الأوقاف في المناطق ومجالسها الإدارية ولجانها”، ويعني هذا بعبارة أوضح، أنه المجلس التشريعي المصغّر للطائفة السنية في لبنان.

كما يناط بهذا المجلس الذي ينعقد برئاسة مفتي الجمهورية إصدار القرارات بشأن أوقاف المسلمين السنة، لذلك يعتبره كثيرون بأنه مؤسسة حيوية لها علاقة مباشرة بالحياة الدينية والاجتماعية والاقتصادية لأكبر طائفة في لبنان وتقع على عاتقه مسؤولية استنهاضها خصوصاً في ظل ما يتعرض له السنّة في كل المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *