سلطة تجويع وإذلال… من أجل ماذا والى متى؟

وماذا بعد؟

لبنان في عهده القوي، وهذه لازمة ينبغي تكرارها في كل لحظة لنيل الرضى، يعاني، في نهاية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، وفِي زمن السلم ودولة المؤسسات، ما عاناه في ثمانينات القرن المنصرم في زمن الحروب والمعابر والقذائف والحصار .

فجأة ينقطع البنزين والمازوت على أبواب شتاء المدارس والبرد، ويصطف المواطنون أمام محطات المحروقات طلباً لليترات تكفي تنقلاتهم الضرورية وتغذي مدافئهم لساعات، بعضهم يوفق ويكافأ على انتظاره في الصف والبعض الآخر يمضي خائباً فقد فاتته الورقة وعليه الانتظار متأهباً مع المنتظرين !

تعالج الأزمة بوعد جديد يتعهده رئيس الحكومة، هو الوعد الثاني بعد ترتيبات حاكم البنك المركزي، فتنفرج أسارير المواطن للحظات قبل ان يعاوده الشعور بأن المشهد سيتكرر في وقت لاحق .

وما يحصل مع المحروقات يحصل مع الخبز، والمحروقات والخبز هما عماد الحياة اليومية للناس. الأسباب نفسها التي قادت الى أزمة المحروقات تقود الى أزمة الخبز والقمح. المادتان يتم استيرادهما بالدولار، والدولار محجوز لضمان استقرار التسعير الرسمي لليرة، وهو على حد قول القائلين يذهب الى تدعيم اقتصاد الأشقاء في سوريا وتحسين ليرتهم المنهارة وتمويل ميليشياتهم الأممية. لم يفسر أحد سر ما يجري، وما لمسه اللبنانيون ان دولارهم محجوز رغم العهد “القوي جداً”، وان تحويلاً بسيطاً يصلهم بالعملة الصعبة عليهم ان يقبضوه بالليرة حسب التسعير الرسمي، وإذا أرادوا سحب مدخراتهم ووجهوا بتدابير مانعة، يقودهم الحديث عنها الى التحقيق .!!!

البنزين والقمح لن يبقيا عنواناً وحيداً للمشكلات المتراكمة، ففي بلد دُمِّرت صناعته وزراعته على يد حكم التجار والسماسرة، كل شيء يعتمد على الاستيراد، والاستيراد يحتاج اعتمادات بالدولار والعملات الصعبة الأخرى، وهو ما يمكن ان يثير مشكلة في كل قطاع حيوي، والدواء في رأس القائمة .

لقد نسي الناس خلال الأيام القليلة الماضية عناوين أزماتهم الحياتية المزمنة. كانوا ينتظرون حلولاً لمشكلة الكهرباء التي تستنزف أموالهم وتسجل أكثر من نصف العجز الذي يعانيه بلدهم، وكانوا ينتظرون حلولاً لمشكلة نفايات مزمنة تفوح رائحتها يومياً ويرفض المعنيون إيجاد مخارج لها، وكانوا أيضاً يأملون في حفظ حقوقهم الدنيا في عيش كريم على أمل إنضاج خطط للنهوض الاقتصادي، إلا أنهم فوجئوا بالأسوأ وبأن من يتولى إدارة شؤونهم لا يهتم إلا بإدارة شؤونه وترتيب أوضاع حاشيته، وما لوائح التعيينات في الإدارة إلا عينة ظاهرة من مسيرة “تزبيط” الأوضاع الخاصة المظفرة .

يقول الناس كفى !

ولكنها صرخة لا تفي بالغرض، فالقائمون على شؤونهم هم من انتخبوهم، وصرخات الشارع المتفرقة سرعان ما تتبخر عند المساس بزعيم طائفة أو آخر، والأسوأ ان إفقار الناس وتجويعهم يتوَّج بمشاريع لقمع حرية الرأي والتعبير، فلا يبقى أمام من يريد إعلان وجعه إلا الوقوف في طابور أمام محطة أركان سلطة فاشلين .

عاد المسؤولون في الأسبوع الماضي الى طرح فكرة دعوة لجنة الطوارئ للاجتماع. وفِي هذا الطرح الذي تولاه الرئيس نبيه بري إثر زيارته بعبدا، هو أكثر خطورة على المستوى السياسي من الأزمات الاجتماعية القائمة. ففي الطرح إعلان لفشل الحكومة أولاً، وفيه تأجيل للحلول وهروب منها بإحالة المشكلة الى اللجان ثانياً، وإذا كان لا بد من مسعى أخير فليكن بجمع قادة الطوائف الأشاوس وعددهم لا يزيد عن عدد أصابع اليدين وليتولوا الحكم ووضع المخارج… أو فليختفوا غير مأسوف عليهم!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *