الرغيف الّذي يحتجب عن فقرائنا

الرغيف، هذه العجينة التي شكّلت رمزاً دينيًا لـ”النعمة”، كانت في رواية “البؤساء” العالمية شفاعة أخلاقية للقراء الذين تعاطفوا مع السارق جان فالجان. وأيضًا في الثقافة الفرنسية، هناك ثنائية الخبز/البسكويت الذي اقترحت ماري أنطوانيت على الشعب الجائع بأكله. في طرابلس، في حواري الحرمان، انحدر طموح عائلات كثيرة الى قعر هرم الحاجات الإنسانية (ماسلو)، ليس الغذاء فحسب بل المكوّن البدائي لهذا الغذاء، الرغيف.

ليس جديدًا القول بأنّ طرابلس أفقر مدينة على المتوسط. وها هي تتمسّك بهذا الموقع، بل تتجذّر به مع كلّ المؤشرات التي تفضح مزيدًا من الفقر والعوز. وبالرغم من اكتظاظ طرابلس بالجمعيات الّتي تكافح هذا الفقر، وأيضًا بالحراكات المدنية، إلا أنّ الفقر يزداد على نحوٍ مطّرد، بات فاقعًا لمن يعيش خارج طرابلس قبل داخلها. فقرٌ واستكانة لهذا الفقر أتحدث عنه مع زميل من بيروت انتهى بسؤالي: متى ينفجر الشعب؟

قلت: طالما أن الشعب لا يزال قادرًا على سدّ رمقه ولو برغيف خبز، لن ينفجر.

كان الحديث منذ شهرين. لكن الحاضر الذي تدهور بسرعة مهولة ينفي كلّ اطمئنان. الرغيف يختفي، حقًا يختفي من الأفران والمخابز التي تلجأ الى الإضراب، غير قادرة على النهوض بالأعباء الماديّة التي تراكمها القرارات الارتجالية والتهديدات النقدية وارتفاع سعر الطحين. لم يعد الرغيف متاحًا كما قبل. الفقير يزيد جوعه، وثمّة فقراء جدد ينضمّون الى هؤلاء، لن يملكوا ثمن الرغيف.

أمّ الفقير: اللقب بائس وغير مشجّع على التحرر من لعنة  الفقر. لكن طرابلس اعتنقته لأنّ فقيرها يستطيع التحايل على بطنه الأجوف بكلفة زهيدة جدا مقارنة مع تلك المعتمدة في باقي المناطق. لكنّه لقب لم يعد مستحقًا.

الرّغيف يتخلّى عن زهده، والأم تتخلى عن حضانة “الفقير” الّذي يعيش في مدينة لن ينتهي فقرها سوى بانتفاضة. انتفاضة لأجل هذا الرغيف، وغالبًا بسببه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *