بلدية الميناء تسقط في قبضة المحافظ

فتحت بلدية الميناء أبوابها بعد إقفال قسري دام أكثر من ثلاثة أشهر على أثر الإعتداء الذي طال القصر البلدي على أيدي بعض الغاضبين، إثر سقوط سقف أحد البيوت في الميناء الذي أودى بحياة شاب وشقيقته.

منذ ذلك الحادث المؤلم، أي وفاة الأخوين واستباحة مبنى بلدية الميناء ومكتبتها العامة وقاعة المحاضرات فيها بكل أنواع العنف والتخريب والتكسير، تعبيراً عن غضب بعض السكان من البلدية ومن رئيسها، منذ تلك الحادثة أُقفِلت البلدية بوجه المواطنين، ولم تعد تستقبل المراجعين، وتوقف الموظفون والعمال عن الحضور الى مكاتبهم ومراكز عملهم، وتُرك مبنى البلدية على ما أصابه من تخريب دون أن تهرع الجهة المسؤولة الى تصليح ما خرب، وإعادة الأمور الى نصابها، والتقدم بشكوى ضد هؤلاء لأنهم خرّبوا مرفقاً عاماً عن سابق تصميم وإصرار، والحؤول دون أن يغلق مرفق حيوي عام كالبلدية، التي تعتبر قلب المدينة النابض بالحياة، خاصة وأنها ظاهرة لم نشهدها من قبل ولم يكن لها من سابقة مشابهة.

بداية ظهور المشكلة

تقدم رئيس بلدية الميناء عبد القادر علم الدين الى رئاسة إتحاد بلديات الفيحاء، رغم أن العرف المتبع- منذ تأسيس هذا الاتحاد- أن تكون رئاسة الاتحاد من نصيب رئيس بلدية طرابلس، وأن يكون نائبه رئيس بلدية الميناء. هذا في العرف، أما في القانون فلا شيء يمنع من أن تكون الرئاسة لأي بلدية تنتمي الى هذ الاتحاد. لا أحد يعرف السبب الذي دفع بالرئيس عبد القادر علم الدين للترشح الى منصب رئاسة الاتحاد!

خلال جلسة الانتخابات، وبحضور المحافظ ورؤساء اتحاد بلديات الفيحاء، وبعد أن تقدم رئيس بلدية الميناء بترشحه الى منصب رئيس الاتحاد، انسحب رئيس بلدية طرابلس من الجلسة معترضاً على هذا الأمر، وتابع المحافظ الانتخابات وأعلن فوز عبد القادر علم الدين بمنصب رئاسة اتحاد بلديات الفيحاء. تمخض عن هذا الأمر نشوب عاصفة من الاستنكار قادها العديد من أبناء الفيحاء وبعض أعضاء بلدية طرابلس، وعلى رأسهم الرئيس الدكتور رياض يمق وبعض أبناء مدينة الميناء غير المنسجمين مع الرئيس علم الدين. وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي على مدى أيام مناشدات ومطالبات لكي يستقيل عبد القادر علم الدين من منصب رئيس اتحاد بلديات الفيحاء. على أثر هذا الهرج والمرج الذي أحدثه فوز علم الدين برئاسة اتحاد بلديات الفيحاء، جاءت مجموعة غاضبة وحاصرت مبنى البلدية لساعات طويلة، مطالبة باستقالته الفورية من رئاسة الاتحاد. وعد عبد القادر علم الدين بأنه سيقدّم استقالته هذه خلال ثلاثة أيام. لكن هذا الأمر لم يتحقق خاصة وان علم الدين، وبعد ان فكّ أسره، غادر المدينة وأطلق سلسلة من التعليقات المستفزة.

الحادث المؤلم و تنفيذ المخطط

وما إن مضت عدة أيام حتى حلت كارثة سقوط سقف المبنى على الشاب وشقيقته وأدت الى وفاتهما على الفور، واندلاع موجة الغضب في الشارع، والتنديد بإهمال بلدية الميناء بشخص رئيسها. ولم تمضِ بضع ساعات على الحادث حتى فوجئ الجميع بمجموعة من الشبان الذين اقتحموا مبنى البلدية وعاثوا فيه خراباً ودماراً وتكسيراً. ولولا تدخل الجيش باللحظة الحاسمة، لكانت ألسنة اللهب والنار التهمت مبنى بلدية الميناء بأكمله. وتابعوا “مهمتهم” هذه عبر استهداف مراكز عمل وبيوت أعضاء المجلس البلدي، مهددين ومتوعدين بأنهم في حال لم يتقدموا باستقالاتهم جماعياً لن تسلم أعمالهم ولا مراكز أشغالهم ولا عائلاتهم. وكان يجري كل هذا دون أي محاصرة أو ردع من قبل الأجهزة الأمنية المتواجدة والمنتشرة في كافة أنحاء المدينة.

موقف أعضاء المجلس البلدي

وتحت الوعيد والتهديد، تداعى أعضاء مجلس بلدية الميناء واجتمعوا سوياً وسجلوا كلمة ألقاها نائب رئيس بلدية الميناء الدكتور ميشال فلاح باسم المجلس طالبوا فيها الرئيس عبد القادر علم الدين بالاستقالة الفورية، واضعين استقالاتهم الجماعية بالتصرف.

أين الرئيس عبد القادر علم الدين من كل ما جرى؟ ولماذا هو غائب عن السمع؟

ان قانون البلديات واضح جداً خاصة في المادة 72 منه والتي تنص على ما يلي: “في حال شغور مركز رئاسة البلدية “بصورة مؤقتة” طيلة سبعة أيام عمل متتالية، يتولى نائب الرئيس هذه المهام “بصورة مؤقتة” بقرار من المجلس البلدي، وتحاط سلطة الرقابة الإدارية بتوليه مهام الرئاسة..”

لهذا تداعى بعض الأعضاء مطالبين باجتماع لإصدار قرار توكيل المهام الى نائب الرئيس، كما ينص القانون، ليفاجأوا برفض هذا الأمر من قبل عدد من الأعضاء. وهنا نطرح هذا التساؤل: لماذا لم يسحب أعضاء مجلس بلدية الميناء الثقة من رئيسهم علم الدين حين كان الأمر متاحاً قانونياً؟ الجواب: لأن من يتنافس على كرسي رئاسة البلدية يفوق عددهم الخمسة أعضاء، ولم يتم التوصل الى التوافق على اسم واحد بديل عن علم الدين، رغم موافقة السياسيين على الاستعاضة عن الرئيس علم الدين بمرشّح آخر.

تغيرت الموازين وانقلبت رأساً على عقب

بعد أن رفض عدد من الأعضاء توكيل المهام الى نائب الرئيس، كما نص القانون، كان لا بد من الضربة القاضية، وفي ظل الظروف التي شهدناها مؤخراً لجهة إسقاط الحكومة والانتظار لتشكيل حكومة جديدة ونيلها الثقة، جاءت الضربة القاضية حين تقدم في المرة الأولى 15 عضواً من أعضاء المجلس باستقالتهم الجماعية أمام المحافظ، ليعودوا ويؤكدوا استقالتهم للمرة الثانية، كما ينص القانون. وبما أن عبد القادر علم الدين لم يبدر منه أي موقف أو تحرك خلال شهر بين الاستقالتين، ولم يلتحق مجدداً بمركزه كرئيس في مبنى البلدية، وذلك بعد انقضاء المدة القانونية، وافق المحافظ على استقالة الأعضاء الـ15، ما جعل مجلس بلدية الميناء مستقيلاً، وبالتالي خضعت إدارة البلدية لوصاية المحافظ.

أقفلت بلدية الميناء مدة ثلاثة أشهر، والعجيب أننا لم نسمع حينها أي اعتراض من أية جهة رسمية أو سياسية أو أمنية أو حتى من أهل المدينة. ولم نشهد أي حملات أو اعتراضات تندد بإقفال مرفق حيوي كبلدية الميناء طيلة هذه المدة الزمنية.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه أمام هذا المشهد الضبابي: لماذا لم يستأنف رؤساء الدوائر العمل في مراكزهم دون ان يعتكفوا أشهراً في بيوتهم ويعطلوا أعمال الناس ويقفلوا مرفقاً عاماً دون وجه حق، خاصة وأنهم بعد كل هذا الشلل والجمود اتخذوا مؤخراً القرار بإعادة عجلة العمل الى بلدية الميناء ابتداء من يوم الإثنين الفائت؟

كارينا أبو نعيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *