الحكومة مستنفرة لمعالجة الأزمة المالية والنقدية واستحقاقات “اليوروبوند”

لبنان في وضع لا يحسد عليه، فهو يواجه أزمة مالية غير مسبوقة لم يتعرض لمثلها في كل تاريخه بسبب خدمة الدين العام الذي تجاوز 152 في المئة من حجم الناتج المحلي للبلاد، ويعاني من عجز كبير في المالية العامة، ولديه مستحقات غير قادرة على تلبيتها بالتزامن مع تدهور سعر صرف الليرة وعجزه عن سداد سندات” اليوروبوند” وهي تصل الى 4 مليارات عام 2020، وتستحق الدفعة الأولى وقيمتها 1.2 مليار دولار في التاسع من الشهر المقبل، ولذلك استنفرت الحكومة وأركان الدولة وعقدوا اجتماعاً مالياً واقتصادياً في القصر الجمهوري يوم الخميس الماضي برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وحضور رئيسي المجلس والحكومة نبيه بري وحسان دياب، نائبة رئيس مجلس الوزراء وزيرة الدفاع الوطني زينة عكر عدرا، ووزيري المالية غازي وزني والاقتصاد والتجارة راوول نعمة، حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، رئيس جمعية المصارف سليم صفير والمدير العام لرئاسة الجمهورية الدكتور انطوان شقير، حيث خُصص هذا الاجتماع للبحث في مسألة استحقاق “اليوروبوند” والأوضاع المالية والاقتصادية والإجراءات اللازمة من أجل مواجهة الأزمة المالية وتطمين المودعين الى أموالهم في المصارف.

وبعد الاجتماع، أوضح الوزير وزني ان الاجتماع تطرق الى أمرين: استحقاق “اليوروبوند”، والـ”كابيتال كونترول”، وقال: في ما خص استحقاق “اليوروبوند”، هناك خيارات متعددة طرحت، وقد تمت دراسة كل خيار بعمق، سواء لناحية الدفع أم عدمه، وقد عبّر كل واحد من المجتمعين عن رأيه بصراحة، وتم الاتفاق على استمرار البحث في المرحلة المقبلة لاتخاذ القرار المناسب، لأن المسألة مهمة للغاية بالنسبة الى البلد والمودعين والمصارف، كما للقطاع الاقتصادي وعلاقاتنا الخارجية على حد سواء، أما بخصوص “الكابيتال كونترول”، فلم تعد هناك من إمكانية لتعاطي المصارف مع المودعين بشكل غير قانوني وغير واضح واستنسابي، يكون فيها العميل في نهاية المطاف هو الحلقة الضعيفة. من هنا، تم التوصل الى تفاهم يقضي بأن يصدر تعميم واضح في اليومين المقبلين من قبل مجلس الوزراء لوضع حد للاستنسابية في التعاطي بين المصارف والعملاء، وبما يؤمّن حماية للعملاء في الدرجة الأولى، سواء المقترضين منهم أو المودعين في القطاع المصرفي.

وتوِّج الاجتماع المالي والاقتصادي بجلسة حكومية للغرض ذاته خلصت الى نتيجة هي تشكيل لجنة وزارية برئاسة دياب وعضوية وزيري المال غازي وزني والاقتصاد راوول نعمة، حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس جمعية المصارف  سليم صفير وخبراء ماليين واقتصاديين وقانونيين، وذلك لدرس خيارات “اليوروبوند” على ان يكون أمامها مهلة حتى نهاية الشهر الجاري كحد أقصى لإنجاز مهمتها وإحالة ما توصلت إليه إلى مجلس الوزراء لاتخاذ القرار.

ويتوقع محللون اقتصاديون تأجيل هذا الاستحقاق وترحيله عبر إعادة الجدولة وتبديل السندات كأهون الشرور، لأن خيار الدفع سيؤدي حتماً الى مشكلة نقص في السيولة، وعدم الدفع سيرمي كل الثقة التي بناها لبنان في السنوات الماضية مع المجتمع الدولي في سلة المهملات، وسيعرّضه الى مخاطر عدم إقراضه مجدداً باعتبار أنه أعلن الافلاس، بالإضافة الى مخاطر رفع دعوات ضده يمكن ان تؤدي الى وضع اليد على جزء من الأصول والممتلكات تماماً كما يحصل بين الدائن وأي مصرف، ولذلك فما إن طرح احتمال التأجيل حتى انعكس فوراً على أسعار سندات استحقاق آذار المقبل، فهبط سعرُها من حوالى 85 سنتاً للسند، الى 74 سنتاً، أي ما نسبته حوالى 14 في المئة، في وقت أعلنت الشركتان الماليتان الدوليتان “غريلوك كابيتال” و”مانجارت ادفيسورز” انّ مجموعة من الدائنين الدوليين للبنان، تشمل الشركتين، نظّمت مجموعة نقاش غير رسمية مع استمرار تفاقم وضع ديون البلاد، وقالتا في بيان ان المجموعة ستبدأ تقييم خيارات في شأن كيفية إدارة المُقرضين لتطورات الوضع في لبنان، وستسهّل التواصل بين الدائنين المختلفين، وهي على أهبة الاستعداد للانخراط في أي مباحثات مع الجمهورية اللبنانية.

وكان لبنان قد طلب من صندوق النقد الدولي مساعدة فنية لوضع خطة لتحقيق الاستقرار في ما يتعلق بأزمته المالية والاقتصادية، بما في ذلك كيفية إعادة هيكلة دينه العام، وأبدى الصندوق جاهزيته للمساعدة، فيما حذّرت جمعية المصارف من تخلّف لبنان عن سداد ديونه الخارجية لأنّ ذلك يشكّل حدثاً جللاً تتوجّب مقاربته بكثير من الدقة والتحسّب، مشددة على وجوب سداد استحقاق آذار في موعده، والشروع فوراً في الإجراءات المطلوبة لمعالجة ملف الدين العام بكامله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *