أحجية “محمد ريما”

نشرت مؤسسة تولونا الفرنسية دراسة بعنوان “المطبوع الورقي في العالم الافتراضي” كانت أجرتها مؤخرًا على عينة من 10700  قارئ من عشر دول ديموقراطية، تفيد بأن 34% فقط يطّلعون على الأخبار عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، وأن 54% يثقون في أخبار الصحف الورقية، وأن 74% يرون في منصات التواصل الاجتماعي بيئة مناسبة لانتشار الأكاذيب.

هذه الشريحة الواسعة نقل آراءها الزميل حسام أبو حامد في “العربي الجديد”، تُفضي للاستنتاج بأن الإعلام الورقي لا يزال يحتفظ بقيمته الفكرية الّتي لا تتحقق بدون إيصال معلومة دقيقية وصادقة. تفصيل واحد خاطئ في مقال يعجّ بالحقائق الصحيحة ستفسد المقال بالكامل، إن لم تفسد أيضًا مصداقية الصحافي في بعض الأحوال تبعًا لفداحة الخطأ. والأخطاء في الصحف الورقية هي الأقل شيوعًا. زميل في صحيفة يومية يقول بأنّه قد يرتكب هفوات لغوية في مقاله المنشور على الصيغة الإلكترونية ما يسمح له بتنقيح المقال لتُنشر خالية من الشوائب على الورق. تتعدّد إذًا الأمثلة الخاصة والعامة لكنها جميعها تتجه للتأكيد على أنّ الصحافة المطبوعة تصون قيمة وسلطة وبالتالي مصداقية الصحافة حيث يضيق هامش الخطأ وتتسع الانتقائية. ليس انتقائية الأقلام فحسب بل أيضًا القراء. ليس قارئ الجريدة الورقية كقارئ خبر يصله عبر الواتساب أو الفيسبوك، ثقافيًا وجديةً واهتمامًا بالقراءة. ولنقس على ذلك.

ما تقدّم يرمي الى الحديث عن العكس. ما تحمله وسائل التواصل الاجتماعية من أخبار غير دقيقة وأكاذيب وإشاعات غير قابل للضبط. قانون المطبوعات في لبنان وحتى آخر تحديث لهذا القانون لا يوظّفان إلا لما يخدم السلطة السياسية ويحصّن موقعها من خلال قمع الناشطين الإلكترونيين الذين ينتقدونها أو يكشفون فسادها. مع أنّ المنصات الإلكترونية، حسب بعض الاجتهادات القضائية، ليست مطبوعات. لكن تأويل هذا القانون لم يوظّف إلا لصالح الدولة وأجهزتها. وكلّ محاولة لـ”قوننة” هذا المجال وإرساء أخلاقياته على أسس واضحة لا تزال في حيّز إقتراحات قوانين. هل نسينا قضية زياد عيتاني الذي زجّته أجهزة الدولة في عمالة مفبركة إلكترونيًا؟ الدعوى القضائية التي رفعها ليسترد ما أمكن من حقه التي أزهقتها الخرافة الإلكترونية لا تزال نائمة في الأدراج. أتخوننا الذاكرة في استرجاع موقف واحد أو حادثة واحدة حاسبت مواطن/ة لبناني/ة على جنحة أو جريمة إلكترونية؟ قضية هامشية واحدة، لصبية سرب صديقها الذي خانته فيديوهات جنس حوسب عليها، ثم لفلفت القصة لتماسها مع أدق تابوهات المجتمع. لا قضية “رأي عام” على منصات التواصل يُسجّل لها محاسبة وزّينة. وليست قصّة محمد ريما شواذًا عن هذه الحالات.

قضايا منصات التواصل الاجتماعي تأتي على شكل الفقاعات وتفقع. الباراشوت الإلكتروني الأخير هبط على هيئة شاب ملتحٍ على الموضة، يعاني، كما يقال، مرضًا نادرًا أطلق لعلاجه تمويلًا جماعيًا يفوق الثلاثمائة ألف دولار. الأقاويل الذي حيكت حول هذه القضية متاهة تقود الى متاهة أكبر، من تزوير حقائق، الى مبالغة في وصف المرض، الى القول بأنّ حملة التبرع توقفت بإيعاز من الأم، وصولاً الى خبر عن نيته السابقة بالهجرة الى تركيا وحاجته للمال سبقها خبر آخر عن فراره الى أوروبا. ومن يدري بين كتابة هذا المقال ونشره أي أخبار جديدة ستنشأ. وأمام كلّ خبر، وابل من الفيديوهات والمنشورات الضدية التي تنفيها، وإزاء كل هذه الاختلاطات والمغالطات، تغزو مواقف الجماهير الإلكتروني تناقضات متطرفة، منها من تبرع، ومن خوّن منذ اللحظة الأولى، ومن استفاض في تحليل معطيات زئبقية لا يمكن القبض عليها.

بيت القصيد هنا: تحركت الدوامة حين نشرت “النهار” تصريحًا لوزير الصحة يقول أنّ ريما هرب من المستشفى لتجنّب الكشف عن حالته. ولأنّ جسم الدولة ووزاراتها “لبّيس” في التقصير، سرعان ما انحاز كثيرون الى تبريرات تدين فرضية الوزير، وتتعاطف أكثر مع ريما، فانطلق التضليل ولم ينتهِ.

ما ينبغي، أخيرًا وخصوصًا، تبنّيه من كلّ هذه المتاهة الجماعية التي جيّشت جمهورًا عاطفيًا حرّكته إنسانيته أوشعوره بالواجب الديني أو حتى حشريته، هو موقع الدولة في هذا السجال. فلو كان اللبنانيون يثقون بحرص الوزارة على صحة المواطن، لما انساقوا الى طلاسم تصنع من حالة “محمد ريما” أحجية مشكوك بها لكنها في كل حال عصيّة على الفكّ. عصيّة على الفكّ ليس لعبقرية السيناريو، بل لرخاوة التدقيق والمحاسبة، بل غيابهما، حين يقع سيناريو الكتروني مضلّل كالذي اصطاد مئات المتبرعين.

في دولة حيث الخدمات المنعدمة جعلت من الفيسبوك بوابة تمويل للطبابة، ليس من المستغرب عدم تصديق رواية الدولة في ملف طبي. وفي دولة حيث محاسبة الجرائم الإلكترونية تنحاز لمن يهاجم فقط هذه الدول، وليس من يهاجم المواطن أو يبتزّه أو يفتري عليه، ليس من المستغرب أن تُطوى قضية محمد ريما في نسيان فجائي، شأن عشرات القضايا التي تناولتها المنصات الإلكترونية دون جدوى أو محاسبة.

جودي الأسمر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *