بين الأقساط والكتب هكذا تتم سرقة أموال المواطنين

اقتحم العام الدراسي حياة المواطنين بكل شرائحهم وفئاتهم وطبقاتهم، ليؤرق كل العائلات سواء كان أولادها في المدارس الرسمية أو الخاصة، فالفئة الأولى من المفترض أن تكون من الطبقات الفقيرة التي تئن تحت وطأة دفع رسوم التسجيل التي لم تأخذ بعين الاعتبار الوضع الاقتصادي الذي يرخي بثقله عليها، والفئة الثانية من المفترض أن تكون من الطبقات الميسورة أو ممن تُعرف بـ”المتوسطة” التي باتت على عتبة الفقر من دون أن تتخلى عن بعض إمتيازاتها ومنها تسجيل أولادها في المدارس الخاصة التي تمضي في رفع أقساطها بشكل لا يتوافق مع منطق الأمور ومع الحالة الاقتصادية وكأنها في ذلك تعيش في كوكب آخر.

وإذا كانت هذه العائلات قد اعتادت على جشع أصحاب المدارس الخاصة التي لا ترحم بقسط أو تسجيل أو لباس مدرسي أو لباس رياضي أو قرطاسية أو أوتوكار، أو رحلات مدرسية، أو نشاطات لا صفية، ما يفرض على الأهالي مبالغ مالية قد تتجاوز القسط المدرسي في العام، ليصبح كلفة الطالب في أي مدرسة خاصة أكثر من بعض الأقساط الجامعية الخاصة، فإن ما يختص بموضوع الكتب أكبر وأدهى وأخطر، خصوصاً أن بعض المدارس التي تحولت الى مؤسسات تجارية، باتت تستخدم الكتب كسلعة فتتشارك مع دور النشر ومع بعض المكتبات لاقتسام ما أمكن من أموال أهالي الطلاب فيما يشبه السرقة الموصوفة، خصوصاً أن الفارق في أسعار الكتب كبير جداً بين مدرسة وأخرى.

تقسم الكتب المدرسية الى ثلاث فئات: فئة كتب الدولة وهي تسعّر مسبقاً من قبل وزارة التربية ولا تشكل أعباء على الأهالي إلا على العائلات الفقيرة التي لديها خمسة أو ستة أولاد في المدرسة، فئة كتب المدارس الخاصة التي تفرض أقساطاً مرتفعة لكن أسعار كتبها لمختلف مراحل التعليم مقبولة نوعاً ما كونها صادرة عن دور نشر محلية أو عالمية لكن بأسعار مخفضة، وهي تتراوح بين 100 الى 150دولاراً للتلميذ الواحد ويكون من ضمن المجموعة بعض كتب الدولة الزهيدة الثمن، وفئة كتب مدارس خاصة ذات أقساط مرتفعة وذات أسعار كتب غير منطقية في ارتفاعها بحجة أنها مستوردة أو من دور نشر عالمية ما يجعل الأهالي يدفعون ما هو “فوقهم وتحتهم” من أجل تأمين الأموال المطلوبة، خصوصاً أن بعض الكتب المدرسية يصل سعره الى مئة دولار، بينما يكون سعر مجموعة الكتب للصفوف الابتدائية أو التكميلية أو حتى الثانوية ما بين 350 دولاراً الى 500 دولار لكل مجموعة، وهو أمر لم يعد من الممكن السكوت عنه في ظل الضائقة الاقتصادية التي تجتاح كل فئات المجتمع، خصوصاً أنه في النهاية كل طلاب القسم التكميلي سيخضعون لامتحان رسمي واحد هو شهادة البريفيه، كما أن كل طلاب القسم الثانوي سيخضعون لامتحان رسمي هو البكالوريا، وسيقومون بحل أسئلة واحدة في كل المواد التعليمية، فلماذا كل هذا التفاوت في أسعار الكتب؟ ومن يقف وراء هذه التجارة الرخيصة بعلم الأجيال؟ وكيف لطلاب أن يدرسوا بكتب لا يتعدى سعرها خمسين ألف ليرة لبنانية، وآخرين يدرسون بكتب يصل سعرها الى 150 دولاراً، وغيرهم يدرسون بكتب يفوق سعرها الـ350 دولاراً، ثم يخضعون جميعهم لامتحان واحد ويحلون أسئلة واحدة، وغالباً ما يتفوق طلاب المدرسة الرسمية الذين يدرسون بكتب الدولة الزهيدة الثمن؟ ولماذا لا يتم التوافق على كتب موحدة (باستثناء كتاب التاريخ حاليا والذي لم تفلح الدولة حتى اليوم الى توحيده) ليتم استخدامها في كل المراحل التعليمية وتكون كلها بأسعار مدروسة تتناسب مع إمكانية كل شرائح المجتمع اللبناني؟

اللافت أن ثمة مصالح تجارية ومالية كبيرة بين بعض المدارس ودور النشر وعدد من المكتبات، خصوصاً أن مدارس خاصة عدة تجبر طلابها إما على شراء الكتب من مكتبتها الخاصة فتتحكم بالأسعار وفق أهواء إداراتها، أو من مكتبة محددة تحتكر الكتب التي تستخدمها كل مدرسة وتبيعها بأسعار مرتفعة ومن دون حسيب أو رقيب، فضلاً عن الاتفاق مع دور نشر معينة لإنجاز الكتب المطلوبة لكل مرحلة تعليمية، بشكل لا يمكن استخدامها مرة ثانية أو إصدار طبعة جديدة في كل موسم، وذلك لحرمان أي تلميذ من الاستفادة من كتب شقيقه أو جاره إذا كان يسبقه بصف واحد، وفي ذلك أيضاً سرقة موصوفة، خصوصاً أن كثيراً من الأجيال تربت وتعلمت وهي تتداول الكتب مع بعضها البعض، في حين أن الأهالي اليوم يجدون أنفسهم مضطرين الى شراء مجموعات الكتب جديدة بكاملها لكل طالب في أي مرحلة كان.

ما يحصل يصفه معنيون بأنه قمة الاستغلال الذي تمارسه إدارات مدارس تحمل أسماء عريقة من دون أية رقابة لا على الأقساط ولا على أسعار الكتب، ولا على ما يتم فرضه على الطالب خلال العام الدراسي، ما يطرح سؤالاً عن دور وزارة التربية وعن دور الدولة في وضع حد لممارسات بعض إدارات المدارس التي تسرق أموال المواطنين عنوة، وتتاجر بهم وبمستقبل أولادهم بطرق ملتوية مختلفة؟

كتب محرر الشؤون الطرابلسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *