حرب أهلية صامتة

ليست الحرب اشتباكات ومحاور وجبهات وقصف وتهجير فقط، بل هي كناية عن حالة من الفوضى العارمة تجتاح البلاد، فتُعلق القوانين وتُفرض شريعة غاب يأكل فيها القوي الضعيف، ويمارس المدعوم نفوذه من دون حسيب أو رقيب، ويحرك السياسيون أزلامهم لتأديب فلان، أو لكسر شوكة علاّن، أما الدولة فهي عبارة عن شاهد زور لا حول لها ولا قوة.

لا يمكن للبنانيين أن ينسوا الحرب الأهلية، وتفلت الوضع الأمني من عقاله، وكيف صار السلاح بمختلف أشكاله وعياراته وأنواعه بين أيدي المواطنين، وكيف بات الموت مجانياً يدق أبواب العائلات الآمنة بدون استئذان، وذلك بفعل “جنون العظمة” الذي سيطر على بعض القوى السياسية أو الحزبية أو الشعبية، بفعل الشعور بفائض القوة، أو نتيجة للتحريض الذي يشحن النفوس طائفياً ومذهبياً.

في الحرب الأهلية كثيرون “راحوا فرق عملة” وفي كل المناطق، وهم لم يكونوا مقاتلين، ولا حراس محاور، ولا ضاربي مدافع أو آربي جي، وإنما كانوا مواطنين عاديين مدنيين ذهبوا ضحية خلاف على أفضلية مرور أو كبش فداء لتزاحم على ربطة خبز، أو صفيحة بنزين، أو غالون مياه، أو حصة غذائية، ما أدى الى تنامي الأحقاد، وازدياد حالات الأخذ بالثأر، بعدما تخلى كثيرون عن إنسانياتهم، وتحول القتل لديهم خبزاً يومياً يخلف وراءه مئات الأمهات الثكالى والزوجات الأرامل والأطفال الأيتام، والعائلات المفجوعة.

ثمة سؤال يجتاح كل شرائح المجتمع اللبناني اليوم، وهو: هل نعيش حرباً أهلية صامتة من دون محاور أو جبهات؟، هذا السؤال لا يأتي من فراغ، بل من واقع مأساوي يعيشه البلد، ويقض مضاجع العديد من اللبنانيين خصوصاً بعدما بات الانهيار الاقتصادي على الأبواب، والليرة مهددة بالانكسار، في ظل شحن سياسي وتحريض طائفي ومذهبي، واستحضار أمور خلافية لا طائل منها سوى توتير الأجواء، في وقت توشك فيه مؤسسات الدولة على الانهيار أو التحلل بفعل خلافات أهل الحكم والتسابق على المصالح والمكاسب، أما السلاح فهو الحاضر الدائم، وبات لغة التخاطب الوحيدة بين المواطنين ما يجعل الاشكالات والاشتباكات هي السائدة، من دون أن تشكل الإجراءات الأمنية الرسمية رادعاً للمخلين بالأمن أو للمعتدين على أرواح وأرزاق والناس والذين طبعاً لديهم مظلات سياسية أو أمنية تحميهم وتجعلهم يستمرون في غيّهم وظلمهم.

لم تعد الجريمة في لبنان أمرا إستثنائياً، بل بدأت تتحول شيئاً فشيئاً الى قاعدة، فالقتل يتم بدم بارد، وإطلاق النار بات أمراً تأديبياً عادياً، حتى أن وسائل الإعلام باتت تتعاطى مع الجرائم كأي خبر لا بل تحاول في بعض الأحيان أن توجد المبررات للمجرمين إذا كان الأمر يتعلق بخلفيات سياسية أو طائفية، فيما تسعى بعض البرامج الأخرى الى التفتيش فقط عن الفضائح وهتك أعراض المواطنين، بحثاً عن “سكوب” إعلامي هنا أو “رايتنغ” مرتفع هناك.

لا يكاد يمر يوم إلا وتُفجع عائلة لبنانية بمقتل أحد أفرادها نتيجة إشكال أمني، أو رصاصة طائشة، أو ثأر أو سرقة أو تصفية حسابات سياسية، علماً أن كثيراً من هذه الجرائم تكون متزامنة مع أجواء سياسية مشحونة سياسيا وطائفيا، تهدد البلاد من أقصاها الى أقصاها، وليست حادثة قبرشمون في عاليه ببعيدة ولا غيرها ممن كادت أن تشعل حروبا في هذا البلد الصغير.

كل تلك الفوضى وما يرافقها من تفلت السلاح من عقاله تؤكد بما لا يدفع الى الشك بأن لبنان ليس آمناً، وأن ثمة إشارات للحرب الأهلية باتت واضحة وحاضرة ولا تحتاج إلا الى شرارة للاشتعال، علماً أن كثيراً من المحللين، قد تجاوزوا هذه الإشارات ليؤكدوا أن لبنان يعيش حرباً أهلية لكن من دون إطلاق نار مباشر، بل حرب جرائم بخلفيات سياسية وطائفية ومذهبية كما أن الآتي أعظم مع تنامي الأزمات الاقتصادية والبطالة التي تتفشى بين صفوف الشباب والتي بدأ اللبنانيون يشاهدون نماذج من مخاطرها في يومياتهم..

خاص- “البيان”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *