في لبنان نفايات طائفية.. ما هو الحل؟

قيل سابقاً: “لم تدخل السياسة في شيء إلا وأفسدته”، وهذا أمر بات متوافقاً عليه من قبل الجميع، وكذلك هناك من يقول: لم تدخل الطائفية في شيء إلا وعطلته.. فكيف إذا اجتمعت السياسة والطائفية في أزمة النفايات وزاد عليها مصالح ومكاسب مالية شخصية، فهذا يعني أن الأمور ستبقى على حالها من التخبط ومن التلوث.

لم يكن ينقص لبنان بلد طائفية الوظائف والمناصب و”الستة وستة مكرر”، سوى أن تسيطر الطائفية على أزمة النفايات وتصنيفها بين إسلامية ومسيحية، أو نفايات سنية أو شيعية أو درزية أو مارونية أو أرثوذكسية أو غير ذلك، ما يؤدي الى تحريض أبناء الوطن على بعضهم البعض وإحياء غرائز وعصبيات ليست في مصلحة أحد، وذلك على خلفية رميها والتخلص منها وإيجاد المكبات أو المطامر لها.

يمكن القول إن محاولات تطييف النفايات قد فشلت مؤقتاً، خصوصاً أن الأزمة ليست في طائفية النفايات حيث أن أقضية كثيرة تضم إختلاطاً طائفياً ومذهبياً وكلهم ينتجون نفايات، ويسعون الى التخلص منها، لكن الأزمة هي في قصور الدولة عن إيجاد الحلول الناجعة لأزمة باتت تهدد باجتياح لبنان من أقصاه الى أقصاه، وتضع اللبنانيين أمام مخاطر “الهواء الأصفر”، وتغطية هذا القصور أو الفشل في استخدام الطائفية وتأليب اللبنانيين على بعضهم البعض في تعميم مقولة أن “المسلم لا يقبل نفايات المسيحي والعكس صحيح”، فيما الجهود تنصب على تمرير صفقات ومشاريع تحقق مكاسب وأرباح لبعض النافذين المدعومين من جهات رسمية يقول كثيرون إنها شريكة أساسية في كل ما يحصل.

ثمة قناعة لدى غالبية اللبنانيين بأن كل ما تقوم به وزارة البيئة ومن ورائها اللجنة الوزارية المكلفة بحل أزمة النفايات لن يثمر عن أية نتيجة إيجابية، لأن أكثرية القرارات التي تتخذ هي إرتجالية ومتسرعة تأتي بفعل الضغط القائم من تراكم النفايات في الشوارع، وسعي بعض النافذين الى تحقيق استفادة سريعة من هذه الأزمة للوصول الى المكاسب المرجوة، وذلك من دون إجراء دراسات الأثر البيئي وسبر أغوار المياه الجوفية ومراقبة اتجاهات الرياح، والتأثيرات المباشرة على السكان في كل منطقة يتم إختيارها، وقد بدا واضحاً في كل الحلول التي تم طرحها وسقطت، أن وزارة البيئة والوزارات المعنية الأخرى اختارت الأراضي وباشرت العمل بإنشاء المطامر عليها بتوافق سياسي وأمني، ومن ثم بدأت بإقناع الأهالي بأن ما تقوم به لا يلوث البيئة ولا ينعكس سلباً على صحتهم وسلامتهم، وطبعاً كل ذلك من دون دراسات علمية، كمن يضع العربة قبل الحصان وليس العكس.

وهذا ما حصل في مناطق الفوار بداية، ومن ثم في جبل تربل، ومؤخرا في دير نبوح والتي تم اختيار أراض فيها لاستيعاب نفايات أقضية الضنيةـ المنية، زغرتا، بشري والكورة، علماً أن كل القوانين البيئية تمنع إقامة أي مطمر أو أي مكب في أي منطقة أو بلدة أو مدينة من دون موافقة أهلها، وأهالي هذه المناطق يرفضون جملة وتفصيلاً كل الاقتراحات بتحويلها الى مطامر عشوائية للنفايات، خصوصاً أن “من جرّب المجرب كان عقله مخرباً”، ففي لبنان ثمة تجارب كثيرة بأن المؤقت يتحول الى دائم، وأن المطمر الصحي يتحول الى مكب عشوائي، وأن تلافي التلوث في البداية، يتحول الى تلوث كامل يقضي على الحرث والزرع في المناطق المستهدفة.

بات واضحاً أن اللبنانيين لم يصدقوا مسؤوليهم لا في مسألة تطييف النفايات، ولا في التحريض الذي حاولوا من خلاله تغطية فشلهم، وذلك لأن الثقة معدومة بالدولة ومسؤوليها، وأن أي مشروع للنفايات يمكن إقراره لن يحظى برضى الأهالي الذين لا يثقون بأنه سيعتمد دفتر الشروط وسيراعي السلامة والصحة العامة.

من هذا المنطلق وفي ظل استمرار تفاقم أزمة النفايات في شوارع الأقضية الشمالية الأربعة والتي يخشى كثيرون من تساقط الشتاء الذي سيضاعف من تأزم الوضع، لم يعد أمام الدولة وزارة البيئة سوى اعتماد لا مركزية النفايات، من خلال قيام إتحادات البلديات في كل قضاء بالتفتيش عن أرض وإنشاء مطمر صحي مؤقت يصار الى نقل النفايات من الشوارع إليه، وذلك الى حين أن تخرج الدولة ووزارتها من حال الارباك والتخبط، الى وضع إستراتيجية علمية وفنية للتخلص من أزمة النفايات التي تقض مضاجع اللبنانيين، بينما تعتبر في كل بلدان العالم ثروة وطنية تتنافس المدن والمناطق على استيعابها واستخدامها في توليد الطاقة الكهربائية وإنتاج أرباح شهرية منها تصل الى ملايين الدولارات.

محرر الشؤون الطرابلسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *