خلاصنا بوقف فسادنا!

عبثاً يحاول أهل الحكم في لبنان إنقاذ الوضع المالي والاقتصادي من التعثر إذا لم نقل من الانهيار والإفلاس سواء عبر اللقاء الاقتصادي المالي الموسع أو عبر الخطط المقترحة أو عبر إنشاء اللجان أو عبر الاستعانة بمؤتمر سيدر إذا لم تتم مكافحة الهدر والفساد والاختلاسات، وإلا فالوضع كمن يضع الماء في غربال، هذا إن لم نقل ان الطبقة السياسية ليست مؤهلة لإيجاد الحلول للأزمات الاقتصادية والمالية وخفض العجز في موازنة 2020 التي تحضر وغيرها من الأزمات بما فيها أزمة الكهرباء ومشكلة النفايات وتلوث البيئة، لأنها أصل البلاء نتيجة الذهنية التي تحكم فيها البلد من محاصصة  للمواقع وتقاسم لمغانم التعيينات ورشاوى الصفقات بالتراضي والسمسرة في الالتزامات، حتى ان هؤلاء المسؤولين لم يتورعوا عن تعيين 12 ألف موظف من الأزلام والمحاسيب خلافاً للقانون الذي اقترحوه بأنفسهم ووافق عليه مجلس النواب الذي يسيطرون عليه ومنعوا تعيين 800 ناجح في مجلس الخدمة المدنية بمؤهلاتهم وقدراتهم بحجة التوازن الطائفي، حتى يقال إن ثلثي الدولة معطوب، بمعنى وجود ثلث يقبض، وثلث لا يعمل، والثلث الثالث من الأوادم حسب ما يقول رئيس الهيئة العليا للتأديب القاضي مروان عبود الذي دعا لطرد نصف الموظفين في الإدارات الرسمية بتهم الفساد.

وهنا تستحضرنا واقعة المعلم بوذا مع أحد تلامذته عندما طلب منه ان يذهب الى النهر لتعبئة مياه للشرب ففعل لكنه أخذ يحرك الماء بيديه فتعكرت وملأ القربة وعاد بها الى بوذا الذي وجدها معكرة فطلب منه مجدداً ان يعبئها من جديد بدون ان يحرك الماء، وقال له ان النهر ينقي نفسه بنفسه وهذا ما حصل، لكن الفساد لا ينقي بنفسه بنفسه، لأن الفاسد يتطبع بالفساد، والطبع يغلب التطبع، حتى ان أحد نساء الغجر أو النَوَر المعروفات بعادة السرقة تزوجت ملكاً بعدما أحبها وأصبحت ملكة، لكن مع ذلك بقيت على عادتها وكل مرة كان الملك ينهرها عند محاولتها السرقة فكان جوابها بأنها “متعودة” على السرقة وهذا طبعها.

والفساد عندنا أصبح ثقافة مجتمعية معمّمة للأسف ويصفونه زوراً بالشطارة تحت شعار “يعرف من أين تؤكل الكتف” حتى لا نجد إلا قلة تغرّد خارج هذا السرب وتتصف بالنزاهة والأخلاق والحس الوطني، وبات الفساد يعشش في كل دوائر الدولة ومؤسساتها وأخذ ينخرها حتى اهترأت.

فمكافحة الفساد كفيلة لوحدها بخفض العجز خاصة وان كلفة الهدر والفساد تبلغ 10 في المئة من الناتج المحلي، أي نحو 4 مليارات دولار سنوياً، لا بل يقال ان الكلفة تصل الى 10 مليارات مع الهدر والإنفاق غير المجدي، ولبنان حسب مؤشر الفساد العالمي عام 2018 يقع في المرتبة 138 عالمياً من أصل 180 دولة، والمرتبة 13 من أصل 21 دولة عربية.

فهل من يسمع ويتعظ؟

“البيان”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *