ريّا الحسن وقرارات الداخلية: العبرة بالتنفيذ

عندما أعلنت تشكيلة الحكومة اللبنانية الأخيرة في 31 كانون الثاني الماضي، كان إسناد حقيبة وزارة الداخلية إلى ريّا الحسن مفاجئاً في مختلف الأوساط، فهذه المرأة الآتية من عالم الأرقام والاقتصاد والمال، أوكِلت إليها حقيبة سيادية حسّاسة وذات طابع أمني، ما جعل الأنظار تسلَّط عليها، ليس لأنها سجلت إنجازاً غير مسبوق بأنها أول إمرأة لبنانية وعربية تتسلم حقيبة وزارة الداخلية، بل لمعرفة إن كانت الحسن ستنجح في مهمتها وتكون على قدر الآمال التي علقت عليها، أم لا.

قد يكون الحكم على تجربتها في وزارة الداخلية سابقاً على أوانه، كما أن تقييم هذه التجربة يحتاج إلى بعض الوقت من أجل مقاربة هذه السابقة بشكل موضوعي بعيداً عن العواطف وعن الارتجالية والمواقف المسبقة، إلا أن القرارات التي اتخذتها الحسن منذ تسلمها مهامها تستحق التوقف عندها، ومناقشتها، وإبداء ملاحظات حولها، والتساؤل إن كانت هذه القرارات ستنفَّذ أم ستبقى في الأدراج، كما فعل وزراء داخلية سابقون، أم ستنفَّذ بشكل استنسابي ومجتزأ كما كان يحصل سابقاً أغلب الأحيان، بسبب إعتبارات سياسية ومحسوبيات بالمقام الأول.

من بين هذه القرارات أو الإجراءات تأتي “الأيام الأمنية” التي يقوم بها عناصر قوى الامن الداخلي في أكثر من منطقة لبنانية، وهي إجراءات تأتي في سياق الحفاظ على النظام وعلى الأمن وفرض القانون، وهو ما أكدت عليه الحسن من أن “الأمن في البلد سيبقى ممسوكاً وكل الأجهزة الأمنية والعسكرية متحدة ومتضامنة”، مشددة على أنه “لن يُسمح باستباحة أمن أي منطقة في لبنان من قبل مجموعات أهدافها وخلفياتها مشبوهة”.

وإذا كانت الإجراءات الأمنية تعبّر عن مواقف وسياسات تتداخل فيها العوامل السياسية بالعوامل الأمنية، من أجل ترسيخ الأمن والاستقرار في لبنان، فإن قرارات الحسن الأخرى المتعلقة بقضايا المواطنين المختلفة تتطلب مقاربة من نوع مختلف، أبرزها الإلتزام بها في مواعيدها ووفق ما ينص عليه القانون.

فالحسن أعلنت قبل أيام أنه “سعياً إلى تفعيل العمل البلدي في كل أنحاء لبنان، وتذليل كل العراقيل التي تعترضه، فإننا في وزارة الداخلية في صدد التحضير لإجراء إنتخابات بلدية فرعية للبلديات المنحلة في الخريف، لكي لا تبقى أيّ منطقة من دون بلدية”.

موقف الحسن هذا فتح الباب أمام البلديات المنحلة التي يقارب عددها 40 بلدية في كل لبنان، كي تستعد منذ الآن لخوض إنتخابات بلدية جديدة بعد أشهر قليلة، إضافة إلى بلديات مستحدثة يقارب عددها 30 بلدية، وسط تساؤلات إن كانت هذه البلديات مشمولة بالإنتخابات المرتقبة أم لا، وهو أمر يحتاج إلى توضيح من الوزيرة الحسن.

وبما يتعلق بالشأن البلدي أيضاً، كشفت الحسن أن وزارة الداخلية “ستطرح على اللجان النيابية التي تدرس تعديل قانون البلديات، إعتماد كوتا نسائية لتأمين مشاركة أوسع للمرأة في المجالس البلدية، بحيث يكون لها دور أكبر في العمل البلدي وفي عملية التنمية”، وهو موقف كانت قوى سياسية عدة أكدت عليه في السابق، لكنه لم يبصر النور لاعتبارات مختلفة، فهل سيكون وجود الوزيرة الحسن على رأس وزارة الداخلية والبلديات فألاً حسناً عليه؟

ومن القرارات اللافتة التي اتخذتها الحسن مؤخراً، ووضعت فيها حدّاً للسمسرات ولاستغلال مواقع السلطة ومراكز النفوذ من أجل تحقيق مصالح شخصية ومآرب سياسية، كانت تغريدة الوزيرة الحسن الموجهة إلى المواطنين الراغبين بالحصول على أرقام مميزة للوحات تخصّ سياراتهم، طالبة منهم عدم الإتصال بوزير أو نائب وأن لا يعملوا واسطة مع أحد، موضحة أن كل مواطن أصبح بإمكانه الحصول على أي رقم مميز، إذا كان متوافراً، وأن المطلوب من أي مواطن يرغب في شراء أحدها الإطلاع على أسعارها ورسومها على موقع الوزارة على شبكة الإنترنت، وأن أي مواطن يمكنه شراء أي رقم بكل شفافية.

قرار آخر اتخذته الحسن، ولاقى استحساناً لدى المواطنين، هو المتعلق بالدراجات النارية، بسبب الإزعاج الذي تتسبب بها والزعرنات التي يقوم بها أغلب سائقيها، معتبرة أنه بعد إقرار الموازنة في مجلس النواب “لم يعد يوجد حجة لعدم قوننة الدراجات النارية بعد التخفيض الكبير على الرسوم”، موضحة أنه “أصبح كل صاحب دراجة نارية قادراً على دفع رسم السير ورخصة السوق بمبلغ زهيد، وهذا الموضوع يحميه ويضمن سلامته ويجعل وضعه قانونياً، مما ينعكس إيجاباً على السلامة المرورية”.

هذه القرارات وغيرها التي أصدرتها الوزيرة الحسن مؤخراً، تجعل اللبنانيين يستبشرون خيراً بها، لكن تبقى العبرة في التنفيذ، وأن لا تبقى هذه القرارات بلا تنفيذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *