حرب الدولة على المافيات

إنتهت المواجهة بين أصحاب المولدات والدولة اللبنانية، لمصلحة الدولة التي مارست نفوذها وكشرت عن أنيابها، وأجبرت من “يتحكمون برقاب العباد” وعبر القضاء المختص على توقيع تعهد لدى النيابة العام بعدم قطع التيار الكهربائي مرة ثانية لأي سبب.
إذاً، الجولة الأولى من المعركة إنتهت لمصلحة الدولة، لكن لا بد من الإشارة الى أن أصحاب المولدات أظهروا بقطع التيار الكهربائي لساعتين، فشل الدولة على مدار أكثر من 25 عاماً في تأمين الكهرباء للمواطنين، كما أثبتوا أنهم يشكلون حاجة ماسة للدولة وشعبها وأن توقفهم عن التغذية الكهربائية سيساهم في تعرية الدولة وسيغرق البلاد والعباد بالظلام، ليفرضوا بذلك شرعيتهم المنبثقة من ضعف الدولة وعدم قدرة وزراء الطاقة المتعاقبين على الوفاء بوعودهم، حيث منذ إنتهاء الحرب وإتفاق الطائف مروراً بحكومات الإنماء والإعمار وما تلاها من حكومات وحدة وطنية متعاقبة، واللبنانيون يسمعون نغمة تأمين الكهرباء 24 على 24 ساعة، من دون أن يترجم ذلك.
المعركة مستمرة، بين الدولة وأصحاب المولدات، وعنوانها اليوم العدادات التي تشكل أزمة كبرى على كل صعيد، فالدولة متمسكة بفرض العدادات على أصحاب المولدات ووفق تعرفة معينة تحددها وزارة الطاقة بالتعاون مع وزارة الاقتصاد، وهذا الأمر وإن كان يشكل إعترافاً بشرعية أصحاب المولدات، إلا أن هؤلاء يرفضونه تحت ذريعة عدم القدرة على تقديم هذه التعرفة المخفضة التي لا تتناسب مع المصاريف التي يتكبدونها لا سيما في ظل غلاء المحروقات، حيث تناسى هؤلاء أنهم وعلى مدار 15 سنة على الأقل حققوا ثروات كبيرة عندما كانوا يعملون من دون حسيب ولا رقيب ويفرضون التعرفة التي يريدون على المواطنين، وبشكل غير شرعي لجهة استخدامهم الشبكة العامة والأعمدة وكل ما يتعلق بكهرباء الدولة لتحقيق الأرباح الخيالية التي يقول كثيرون إنه “لو كان هناك قانون وعدل، لفرضت الدولة على أصحاب المولدات تزويد المواطنين بالكهرباء بسعر كلفة المحروقات لأن هذه الشركات قد اكتفت بعدما حققت أرباحاً ومداخيل مالية هائلة من جيوب المواطنين، أو أن تضع الدولة من خلال البلديات يدها على هذا القطاع وتصبح التغذية الكهربائية بعهدة البلدية في كل مدينة أو بلدة”.
ولا تنتهي أزمة العدادات عند هذا الحد، بل إن المواطنين الذين لا يثقون بقراء العدادات الرسميين ويراجعون شركتي كهرباء قاديشا أو لبنان إحتجاجاً على الفواتير الرسمية التي تكهرب الجيوب، حتماً لن يكون لديهم ثقة بقراء العدادات التابعين لأصحاب المولدات الأمر الذي سيؤدي الى مشاكل كثيرة قد ينتج عنها توترات أمنية خصوصاً في ظل استقواء شركات بيع الكهرباء على بعضها البعض بالدرجة الأولى ومن ثم على المواطنين.
لم تعد التغذية بالتيار الكهربائي في محافظتيّ الشمال وعكار مقسمة بين شركتيّ قاديشا ولبنان، بل جرى جمع إنتاج الطاقة من الشركتين في شبكة واحدة مرتبطة بأكثر من معمل حراري لإنتاج الطاقة لتغذية المناطق الشمالية، وتمّ ربط هذه الشبكة بمصلحة التنسيق في مؤسسة كهرباء لبنان التي على عاتقها تقع مسؤولية التقنين الذي يطال مجموعات هي عبارة عن مناطق محددة يوزع التيار الكهربائي فيما بينها.
تقتصر ساعات التغذية في طرابلس ومحافظة الشمال على 16 ساعة خلال فصليّ الخريف والربيع، وهي تتراجع في فصليّ الشتاء والصيف الى 12 ساعة وأقل لتصل الى 8 ساعات، وهي اليوم في أسوأ حالاتها على الإطلاق، نتيجة حجم الأعطال وقدرة الخزانات والمحولات المحلية في المناطق على التحمل في ظل الاعتداءات الأفقية على الشبكات العامة من قبل كثير من المواطنين، ونتيجة غياب الصيانة اللازمة لها من قبل الدولة.
ويأتي النزوح السوري والمخيمات العشوائية المنتشرة في مختلف المناطق والتي تتغذى كهربائياً بواسطة التعليق على الشبكات العامة لتضاعف من هذه الأزمة، خصوصاً أن هذا التعليق يضعف الشبكة، ويعرّضها لكثير من الأعطال التي تجعل العديد من البلدات والقرى تفتقر الى التيار الكهربائي لسببين الأول التقنين الرسمي، والثاني الأعطال الناتجة عن الاعتداءات.
كما بات واضحاً أن الحل الوحيد لهذا التقنين الرسمي في المدى المنظور هو المولدات الخاصة التي تعرف بالاشتراكات، إضافة الى المولدات الصغيرة التي ما تزال بعض العائلات في القرى الشمالية الجردية تعتمد عليها، وذلك بعد فشل أكثر من محاولة في إيجاد لا مركزية كهربائية من خلال تأسيس شركات خاصة تؤمن التيار للمناطق المتواجدة فيها بمعزل عن شركتي قاديشا وكهرباء لبنان، في حين أن بعض القرى النائية لا سيما في عكار والضنية ما تزال تعتمد على البدائل التقليدية في الإنارة كالشمع والمصابيح على الكاز أو على الغاز، فيما سجل وصول التيار الكهربائي قبل نحو ثماني سنوات لأول مرة الى قرية جيروم في قضاء الضنية.
يتحدث البعض عن أرقام مخيفة يدفعها أبناء طرابلس والشمال الى أصحاب المولدات تصل الى ربع مليون دولار سنوياً، وإذا تم جمع هذا المبلغ على صعيد كل المحافظات اللبنانية، فإن المبلغ يتعدى مليار دولار يدفعها اللبنانيون من جيوبهم لتأمين التيار الكهربائي خلال ساعات التقنين وهو يعتبر إجراماً وهدراً لم يسبق له مثيل في أي بلد في العالم، خصوصاً أن هذه المبالغ الضخمة تذهب الى جيوب بعض النافذين والمافيات الذين يديرون تلك الشركات بدعم سياسي وأمني، من دون أن يصل الى الدولة قرشاً واحداً.

كيفية التغذية شمالاً
تتغذى طرابلس من معمليّ الحريشة جنوباً، ودير عمار شمالاً وذلك عبر سلسلة محطات لتوليد الطاقة المنتشرة في البحصاص، وادي هاب (2)، وأورانج ناسو، وتشهد عاصمة الشمال تفاوتاً في التغذية الكهربائية بين منطقة وأخرى، تبدأ من 16 ساعة في المناطق المحظية وتتراجع الى 8 و 6 ساعات في المناطق الشعبية التي تشهد أعطالاً محلية بفعل عدم قدرة المحولات على تحمل الضغط الهائل المفروض عليها.
في حين تتغذى محافظة عكار عبر أربع محطات: البارد، القبيات، حلبا، وبيت ملات التي افتتحت مؤخراً وزادت التغذية 50 في المئة. وتحل الاشتراكات الخاصة في الدرجة الأولى على صعيد البدائل، ومن ثم المولدات الخاصة، وهناك بعض القرى النائية ليس لها بدائل وتعتمد على الوسائل البدائية.
أما زغرتا فتعتمد على محطة دير نبوح بشكل أساسي، وعلى شبكات مرتبطة بمعامل أخرى، وتتراوح ساعات القطع بين 8 الى 12 ساعة بحسب الضغط لا سيما خلال موسم الاصطياف، في حين تتغذى بشري من معمل بلوزا التابع لكهرباء لبنان.
وتتغذى الكورة من معمل الحريشة وتتعرض لتقنين قاسٍ على مدار أيام السنة، وذلك بسب الأعطال المحلية التي تؤدي الى فصل محطات التوليد عن الشبكة العامة، أو احتراق الخزانات التي يحتاج معظمها الى إعادة تأهيل، وتتقدم “الاشتراكات” على ما عداها من بدائل، بينما تعتمد المصانع والمحلات التجارية الكبرى على المولدات الخاصة.
وفي البترون، فإن الاعتماد في التغذية على سلسلة محطات تتوزع ساحلاً ووسطاً وجرداً ويصل التيار الكهربائي الى كل منزل فيها، إلا ان المشتركين يخضعون لنظام تقنين تحدده الشركة ويستدعي إيجاد بديل خلال ساعات الانقطاع، وباتت مشاريع المولدات الكهربائية الخاصة وتأمين التيار للمواطنين بموجب اشتراك شهري أو عملاً بالعدادات من ضرورات الحياة اليومية.
وتتغذى قرى وبلدات المنية والضنية من محطة دير نبوح لتحويل الطاقة ومن معمل دير عمار، بمعدل ١٢ و١٤ ساعة في اليوم تتناقص في موجات البرد وعند أعطال المحولات، في حين يعتمد غالبية السكان على المولدات الخاصة، باستثناء قرى الاصطياف التي تنتشر فيها مولدات الاشتراكات.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *