صيف “التقنين” اللاهب

جنى الدهيبي

في كلّ صيفٍ يعيشه لبنان، يتحسس أبناؤه ضخامة “الكارثة” التي يعيشونها في بلدٍ لم تستطع سلطاته المتعاقبة حتّى الآن، أنّ تؤمن التيار الكهربائي ولو بحدّوده الدنيا. هذا الفصل اللاهب، الممتد من أواخر حزيران حتّى آخر شهر آب، اعتاد اللبنانيون أن يحلّ عليهم كابوسًا مرعبًا، مع ارتفاع ساعات تقنين الكهرباء.

صيف “الاكتواء”

لا مبالغة في القول إنّ أزمة لبنان الكهربائية، وتحديدًا المتجسدة في ساعات التقنين، تستحق أن تنال لقب “الأزمة التاريخية” المسجلة في “تراث” البلد السياسي والاقتصادي والمعيشي، على مدار عقودٍ طويلة، من دون بلوغ أيّ واحدٍ من الحلول الموصوفة بـ”النجاح”.

الحجج دومًا، جاهزة على طبقٍ من فضة: ارتفاع نسبة الأعطال في المحطات والشبكات، ازدياد الطلب مقابل عدم قدرة الشبكة على تحمل ارتفاع درجات الحرارة، صيانة معامل الإنتاج، السرقات والتعدّيات على الشبكة، وغيرها الكثير. وواقع الحال، هو أنّ وزارة الطاقة ومعها الحكومة وكلّ القوى السياسية المعنية بالإئتمان على مصالح الناس وناخبيها، لا يبذلون أي جهدٍ يوازي حجم الأزمة التي يجب إعلان دخولها “حالة الطوارئ”، بغية اتخاذ تدابير تقنية استباقية تخفف من وطأة تكرار مشهد التقنين سنويًا.

صيف 2019، لا يبدو أنّه سيكون مختلفًا عن أسلافه في السنوات السابقة، وإن اختلفت أسباب التقنين ودوافعه. فمنذ قرابة نحو الشهر، بدأت ساعات التقنين تتضاعف يومًا بعد آخر، وكأنّه يمشي بخطٍّ متوازٍ مع درجات الحرارة المرتفعة، التي يتكوي بها المواطنون كلّما ازدادت ساعات التقنين، ثمّ تؤثر على حياتهم اليومية، لا سيما في المناطق التي أصبح الإهمال والتهميش والنبذ، سمةً من سماتها، بمن فيهم طرابلس، بينما هي محرومة من أبسط حقوقها في الماء والكهرباء والبنى التحتية.

في نهاية حزيران الفائت، أعلنت وزارة الطاقة والمياه أن سبب ازدياد التقنين الحالي بالتيار الكهربائي، يعود إلى التأخر في فتح الاعتمادات المخصصة لبواخر الفيول. وأشارت حينها وزيرة الطاقة والمياه ندى البستاني أنّ البواخر بدأت بتفريغ حمولتها وستعود التغذية بالتيار الكهربائي تدريجياً. ومع ذلك بشّرت البستاني اللبنانيين أنّ ساعات التقنين ستزداد في الصيف الحالي، نتيجة عدم حصول وزارتها على السلفة التي طلبتها لؤسسة كهرباء لبنان في موازنة 2019، وأنّه قد جرى تخفيض قيمة السلفة في مجلس الوزراء، بأكثر مما اقترحته.

وهنا، لا بدّ من الإشارة أنّ طلب لبنان من الكهرباء في فصل الصيف، يصل إلى حوالي 3200 ميغاوات، بينما المعامل وسفن الإنتاج لا توفر أكثر من 1600 ميغاوات، وهو ما يجعل الساعات الإجمالية للتقنين تتراوح بين 10 إلى 14 ساعة يوميًا، وقد تكون مرشحة للارتفاع، إن لم نشهد تحسنًا ملحوظًا في الفترة المقبلة.

الخطّة الحديثة قديمة!

للتذكير بخطّة 2019 للكهرباء، فقد أقرّتها الحكومة في نيسان 2019، وبدأ تنفيذها فور إقرارها، ومن أبرز الخطوات التي ذكرتها الوزيرة البستاني، هي في تحقيق خفض الهدر الفني بمقدار 1% بعد الانتهاء من وصلة المنصورية، خفض الهدر غير الفني عبر حملة نزع التعديات في كل المناطق اللبنانية، تقدّم العمل في تحضير دفاتر شروط المناقصات لتلزيم معامل الإنتاج. لكن، وللتذكير أيضًا، فمنذ عقودٍ طويلة حتّى يومنا هذا، لم يستطع وزراء الطاقة المتعاقبين من تحقيق أيّ نتائج عملية تُذكر خارج إطار وضع الخطط والدراسات واطلاق الوعود، بدءًا من خطّة جبران باسيل حين كان وزيرًا للطاقة في العام 2010 ووعده بكهرباء 24/24، مرورًا بخطة وزير الطاقة الأسبق سيزار بو خليل، وصولًا إلى خطّة الوزير الحالية البستانية، وهم جميعًا من نفس الدائرة السياسية والحزبية! وهذه الخطط القابعة في الأدراج، والتي تتشارك فيما بينمها بصفة “الاستعجال” في ظلّ ظروفٍ سياسية ضاغطة واقتصادية خانقة، لم توحِ يومًا بأدنى شروط الجديّة والمصداقية إلى جانب ما يعتريها من إلتباسات وشوائب بالجملة.

وبالرجوع إلى خطّة البستاني للكهرباء التي من المنتظر أن يجري العمل فيها بين عامي 2019 و2026، تبدو شبيهة لحدٍّ بعيد بخطّة باسيل في العام 2010، فهي تهدف إلى تخفيف العجز المالي لكهرباء لبنان، وتحسين الخدمات الكهربائية ورفع التغذية، إذ تنصّ على استقدام أو إنشاء معامل مؤقتة، ابتداء من العام 2020 ولفترة تتراوح بين 3 سنوات و5 سنوات وبقدرة 1450 ميغاوات، وذلك في موازاة إنشاء معامل دائمة، في كل من سلعاتا والزهراني والحريشة. تتضمن هذه الخطّة تفاصيل عديدة مفصلة في 290 صفحة، حول آلية خفض مجمل الهدر البالغ 30 في المئة إلى نحو 11في المئة، وتفعيل أعمال الجباية وقمع المخالفات والتعديات على الشبكة في مختلف المناطق اللبنانية. إلا أنّها لا تغدو كونها “إعادة هيكلة” لخطة باسيل، مع بعض التعديلات والإضافات في الإجراءات!

وتحت وطأة التقنين في صيف لبنان اللاهب والحارق، يبقى السؤال الجوهري حول الجدوى من وضع الخطط، بنفس الذهنية ووفق ذات المنطق الذي سلك مسار الفشل على مدار السنوات السابقة. فتجارب لبنان مع أزمة الكهرباء في لبنان، أثبتت أنّها “سياسية منذ انتهاء الحرب الأهلية”، وهو ما أدى إلى فشل الحكومات المتعاقبة على إنقاذ هذا القطاع وتطويره، والحدّ من نزفه المالي العام. فهل مصير لبنان أن يبقى بلد العتمة والمحاصصات وفساد سلطته على حساب أبنائه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *