صيف طرابلس بائس

ها قد بدأ فصل الصيف، وها قد انطلقت عجلته السياحية في مختلف مناطق لبنان. وحدها طرابلس، تبقى محرومةً من هذا الموسم الذهبي، الذي يتغنى به لبناننا دولةً وشعبًا ومجتمعًا مدنيًا. لا مبالغةً في القول إنّ طرابلس أشبه بمدينة معزولةٍ عن خارطة الوطن. كأنّها قريةٌ نائيةٌ، فيما هي تحمل رسميًا لقب “عاصمة لبنان الثانية”. آه عفوًا! نسينا القول إنّ وزير السياحة اللبناني أواديس كيدانيان وصف الأسبوع الماضي في برنامج تلفزيوني طرابلس بـ”الضيعة”. نعم، هكذا يعتبرها وزير سياحتنا، مجرّد ضيعة. وقد لا يُلام إن قالها في زلّة لسان، بينما هذه هي الحقيقة المرّة التي ترسخ في اللاوعي اللبناني الجماعي. فطرابلس، بكلّ مرافئها ومقومتها الغنيّة، في الاقتصاد والسياحة والعمران، هي بالنسبة لـ”لبنان” ممثلًا بدولته، وشريحة واسعة من اللبنانيين، مجرّد ضيعة نائية، قابلة للانفجار في أيّ لحظةٍ من لحظات “الجهل الإرهابي”، لأنّ الحقيقة الأمرّ أيضًا، أنّها في نظر هؤلاء أنفسهم، “مدينة متطرفة ومحافظة”.

طرابلس المغبونة من قياداتها السياسية قبل الدولة، هي الأكثر غنى بمقوماتها السياحية، لناحية موقعها الاستراتيجي والآثار الموجودة فيها، إلّا أنّها أكثر المدن اللبنانية فقرًا لناحية الحراك السياحي في البلد. وفي موسمٍ تنشط فيه السياحة الداخلية، ويضجّ مطار رفيق الحريري الدولي بالوافدين العرب والأجانب للسياحة في لبنان، قد لا تعرف طرابلس سوى مرور خجول للسائحين كأنّه مرور الكرام العابر! هكذا هو حال المدينة في الصيف. يعبرها قلّة من السواح الأجانب والعرب، يزورون قلعتها وأسواقها المهملة، من دون أن تسجل المدينة انتعاشًا اقتصاديًا وحراكًا ثقافيًا يعودان بفائدةٍ ملحوظةٍ عليها.

لكن، إلى متى سيستمر الغضب و”النواح”- إن صحّ التعبير- بادعاء المظلومية؟ متّى سنصارح أنفسنا بالنظر إلى مكامن الخلل الجسام التي تجعل من مدينتنا حرفًا ناقصًا في موسمها السياحي؟

إذا أردنا البدء بتعداد “مكامن الخلل الجسام” في طرابلس، قد نحتاج لمطوّلات لا تنتهي. وإذا كانت المباني الأثرية، هي جزء راسخ لا يتجزأ من ثقافة الشعوب وتاريخها، فإنّها تشهد في طرابلس نتيجة الإهمال تدهورًا نحو القعر، وربما نصل في العقود القادمة إلى لحظة زوالها. فآثار طرابلس، التي تتأصل جذورها في العهود القديمة وأيّام العثمانيين والمماليك، والتي تترامى على بقاعها وتصل إلى قمم مبانيها الشاهقة، أصبحت منذ عقودٍ مرتعًا فاضحًا وفادحًا للإهمال ولأيادي الجهل التي عبثت بها خرابًا ودمارًا وترهلًا، أو شُوّهت بقصد التحديث المنقوص.

وإذا أردنا مراقبة المشهد الأثري في طرابلس “الفيحاء” التي أصبحت تفوح منها روائح جبل نفاياتها “الشاهق” بدل عبق زهر الليمون، نجد أنّ معظم مبانيها ومعالمها تؤول للاندثار حينًا وللانقراض الكلّي أحيانًا. فهل نعطي مثالًا “خان الخياطين” الذي طُمست معالمه الأخاذة والجميلة بعد ما يُسمى بـ”عمليات الترميم؟! أم نتناول مثال “مسرح الإنجا” وهو من أهم المعالم الأثرية التي تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، والذي تعرض لعملية هدمٍ عن سابق ترصدٍ وتصميم حيث سقط قتيل وتحول إلى كاراج للسيارات؟

لا عتب على السائحين، حين تكون أجزاء كبيرة من قلعة طرابلس العملاقة، تتساقط حجاراتها وتنهشها الرطوبة وتغزوها الأوساخ وتتحول إلى أشبه بثكنة عسكرية تعاني من سوء إدارتها والتسويق لها. ولا عتب عليهم، حين تنسلخ أسواقها القديمة عن هويتها الأصيلة، فيصبح سوق العطارين “عابقًا” برائحة السمك واللحوم، وبعض الأسواق الأخرى تتآكلها الأعشاب الجدارية وشظايا الرصاص والمدافع محفورة على جدرانها، من أيام الحروب ومعارك القتال المشؤومة بين باب التبانة وجبل محسن. ولا عتب عليهم أيضًا، حين تتحول حمامات طرابلس التي تتجاوز 50 حمامًا مساحات مهجورة، تشهد فيها بيوت العنكبوت وشُحّ المياه على حالة هجرانها. أمّا حديقة المنشية وساحة التلّ وساعتها، التي تعدّ واحدًا من أهم رموز المدينة الشاهدة على تاريخها، فقد تحول محيطها إلى مرتعٍ مكتظٍ لمواقف السيارات و”السرفيسات” واستباحة الأرصفة بالعربات المخالفة. فماذا تركوا للسياحة فيها؟

حكايا الإهمال في طرابلس لا تعدُّ ولا تحصى، وكلّها مفاصل أساسية لضرب المدينة بعمقها، حتّى بات أبناؤها يتأففون منها قبل السائحين أنفسهم. طرقات تغزوها الحفريات ومشاريع “التخريب” التي ينفذها مجلس الإنماء والإعمار. زحمة سير لا يحتملها عاقلٌ نتيجة غياب لخطة السير وعدم تأهيل الشوارع الرئيسية والفرعية. والتلوث يغزو المدينة في هوائها وطبيعتها ومياهها. لكنّ العجب كلّ العجب، أنّ هذه المدينة بطولها وعرضها، لا يوجد فيها إلّا فندقًا واحدًا مترهلًا لا يصلح أن يكون وجهًا من وجوه حضارتها، وهو يفقد نجماته عامًا تلو عام، وربما سيصبح فندقًا بلا نجوم! فأين نريد أن نستقبل السواح وكيف ستكون منامتهم في فندقٍ يندى له الجبين؟!

لا ضير في القول، إنّ طرابلس التي تسقط ضحية التقصير الرسمي والمحلي فيما بلديتها تعيش في غيبوبةٍ عنها، أصبحت تفقد رغم غناها بالآثار المملوكية لقب “القاهرة الصغيرة” على حوض البحر المتوسط، تيمناً بعاصمة مصر، لتبقى الأفقر على هذا الحوض والأكثر بؤسًا وانعزالًا. فهل من مجيب يُنقذ المدينة ويسعفها؟

جنى الدهيبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *