جسر الإهمال والمجهول؟!

زهاء سنة مضت على اكتشاف “جسر الترامواي العثماني” عند تقاطع الضفة الغربية لنهر أبو علي مع شارع الزاهرية الأساسي، ولا تزال الحفريات عند تلك النقطة مفتوحة على مصراعيها، بالرغم من تحييد هذا الموقع عن مرور أساطر شبكة المجارير المزمع إنجازها منذ سنوات، لكنها بقعة متروكة للإهمال والتسويف المزمنين، تتراكم بمفعولهما خسارة التغاضي عن موقع أثريّ يختذل حقبتين أساسيتين من تاريخ طرابلس.

في التفاصيل، يبرز رئيس لجنة الآثار والتراث في بلدية طرابلس الدكتور خالد تدمري لـ”البيان” الخلفية التاريخية العظيمة التي تكتنزها هذه النقطة المتروكة للمجهول “كشفنا في هذه النقطة بقايا جسر عثماني كان يشكّل سكة لخط الترامواي الذي شيده السلطان عبد الحميد الثاني ليصل طرابلس بالداخل السوري مرورًا بباب التبانة خلال زمن ذهبي من اقتصاد هذه المنطقة. ويلتصق بالجسر نفق عبارة عن عقد حجري طويل كان يشكّل ممرات مياه مملوكية تستخدم أحيانًا للتنقلات العسكرية، تبيّن مدى تطوّر المماليك في نظام الري”.

تفحّص الدكتور تدمري هذا التقاطع المملوكي- العثماني، وطابقه مع صور نادرة ووثائق وخرائط فرنسية مأرشفة، أثبتت صحّة تشخيصه. وعوضًا عن استثمار هذا الاكتشاف سياحيًا وثقافيًا، آثرت مديرية الآثار دفن هذه العلامات التاريخية، وتلكّأت عن تعيين خبراء يكشفون تقنيًا عن الموقع، أمّا رئيس البلدية، فلم يوفِ الموضوع أي متابعة جدية. من ناحيته، يستمر مجلس الإنماء والإعمار في قتل هذا الموقع الحساس من ذاكرة المدينة وطمرها، على غرار سقفه لنهر أبو علي في مشروع “إحياء الإرث الثقافي لطرابلس” الذي نحا الى العكس.

البدائل المقترحة عديدة وقابلة للتحقيق، تحتاج فقط لقرار. يورد خالد تدمري منها إعادة ترميم الجسر ليكون نقطة سياحة تحيي ذاكرة المدينة، مع إمكانية إقامة متحف حي، والاستفادة من المساحة الفسيحة لإنشاء حديقة في الوسطية. لكنها مقترحات معلّقة، يتقاذفها إهمال ممعن بحق هذا الإرث، ليست أضراره الوحيدة أزمة سير خانقة وتشوّهاً بصريّاً مزعجاً عند أهمّ شرايين طرابلس القديمة.

جودي الأسمر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *