المدينة: أهلها بلديتها ساستها والثقة المفقودة!

هند الصوفي

يتطلع الجميع إلى التطورات الناتجة عن تفاوض السياسيين فيما يتعلق بطرح الثقة في رئاسة البلدية، بمعنى التجديد أو الانتخاب لرئيس جديد، موضوع أساسي للسياسيين ولمصالحهم المشتركة. أما بالنسبة لنا نحن المواطنين، فلا شيء سيتغير إن جدد للرئيس أو عُيِّن آخر، فقد انتخب الشعب زبدة من المرشحين يعملون بإخلاص وكفاءة، كل منهم صالح بأن يكون مشروع رئيس. أما المشكلة الأساسية فهي أن أياً منهم لن يتمكن من إدارة وتنفيذ الشؤون البلدية، وذلك منذ نهاية العهد الذهبي في البلدية والمتمثل بالعميدين منقارة وشعراني، وقد بات واضحاً من تجربة الرئاسات السابقة للحالية، أن الأحوال ستظل معسرة بائسة، لأسباب أكدتها استطلاعات الرأي العام وعلى رأسها تدخل الفعاليات وقوى الأمر الواقع. أسباب قد تتعلق ببنية النظام المتمثل بالمحاصصة غالباً ما تُترجم بالمناكفات داخل المجلس بين متمرد ومستكين وموال لهذه الجهة أو تلك. النتيجة سياسات بلدية معلقة، وليس آخرها مركزية إدارية مربكة تطيل معاملات الإنجاز. الفشل لا يتعلق إذاً بشخص الرئيس كائناً من كان، ولو أن أحد رؤساء البلديات الناجحة يرى أن فشل بلدية طرابلس يعود إلى تعدد الزعامات التي تتحكم بقرار المدينة، ويقول رئيس آخر إن الحق يقع أولاً على الرئيس، فعليه اتخاذ القرار وقفل قنوات الاتصالات مع السياسيين لأن ذلك يعيق نجاحه البلدي ويؤدي إلى عدم المساواة في تطبيق القوانين. ويضيف أحدهم من يريد إدارة ونجاحاً في بلديته عليه أن ينسى الكرسي الذي يجلس عليه، بحيث لا يكون هدفه التجديد وحسب. ما دامت الأمور معقدة وما دام أي رئيس متمرد على هذا الوضع مع طيب نيته لن يسمح له بإدارة البلدية حيث دفع الثمن رؤساء سابقون، منهم من باءت مشاريعهم بالفشل (الإرث الثقافي) ومنهم من استقال…

نحن يهمنا أن تكون بلديتنا فاعلة مواكبة للتطورات والحداثة، تملك الرؤية التنموية المبنية على المعطيات والمكونات والهوية، تطبقها وفقاً لخطة عمل مجدولة زمنياً. عمل جبار يتطلب ليس فقط همة البلدية بل دعم السياسيين مجتمعين لها. مدينة هزلة، أنماطها متراجعة، شوارعها منكوبة ومقلوبة على مدار السنة، وسطياتها مهملة يابسة، السير فيها خانق، هواءها ملوث، سماءها ملبدة بغابة من الأشرطة الكهربائية، جدرانها نعوات متراكمة تستبيح حتى الأعمدة الكهربائية الجديدة التي نجحت البلدية في تركيبها مؤخراً، أبنيتها وسخة لا طلاء عليها تزيد في تشويهها صور سخيفة عملاقة، مدينة هي مزبلة للقرى والبلدات المجاورة، مطامر جديدة تهدد الصحة العامة، ونفايات سائبة لا حل مستدام لها حتى الآن إلا ما هو أخطر منها، مشاريع إنتاجية فاشلة، ومشاريع سياحية أفشل منها، نهرها محجوب، بحرها قذر، فهل الوقت هو إلا للتكاتف معا لنبني بلداً ومدينة منطلقة نحو الحياة؟

بالمبدأ طرح الثقة هو محاسبة للرئيس، والمداورة في الرئاسة قد تكون من شروط الأداء الديمقراطي. لكن هذا الأداء لن يسمح به بسهولة فهو مساءلة ومحاسبة تهدد النظام القائم، وهو سابقة تهدد الكيان القائم، وقد يضيع الوقت في تسمية رئيس جديد يبدأ من الأول.

المطلوب فعلياً هو رئيس يحتوي الخلاف في المجلس البلدي ويؤطره ضمن حدود الإجماع، يوزع المهام البلدية للمجلس وفقاً للكفاءة، يفرض المشاريع المنتجة التنموية بصرف النظر عن الضغوط، يعمل لجذب الاستثمارات في المدينة ولتقديم الحوافز لأصحاب المبادرات، يدعم مشاريع الناس دون الارتهان لمشاريع المحسوبيات. نريد رئيساً يتبنى خطة سياحية، ويجعل لها مساراً ووجهة للزوار، خطة تنسجم مع التاريخ والمستقبل لمدينة سائرة وثائرة تنتفض لحداثتها، رئيساً يسعى نحو اللامركزية الإدارية خاصة في حلول مستدامة للكهرباء 24/24 والنفايات. نريد رئيساً يهتم بالبيئة البحرية والصحة العامة، رئيساً يسعى لمعالجة المعالم السياحية وزرعها وتزهير محيطها وجعلها صديقة للناس والزوار. نريد رئيساً لا ينصت لمن يتستر عن المخالفات والتعديات أمام المعالم الرئيسية خاصة (الجامع المنصوري أولاً)…

رجاءً أيها السياسيون، لن تصطلح أحوالنا إلا إذا ما كففتم أيديكم عن البلدية، وإذا قمتم بعملكم الاساسي للحفاظ على مصالح المدينة ومشاريعها دون أن يكون لكم حصص فيها، وإذا عملتم لمكافحة الفساد الذي يطال الجميع بأشكال متفاوتة.

لقد سئم الناس ممارساتكم لدرجة لا يأبهون من سيكون الرئيس الذي ستعيّنونه، يريدون فقط أن تكونوا صوتاً قوياً للدفاع عن حقوق طرابلس وأن لا تتنازلوا حيال التعيينات لأهلها في مؤسساتها العامة، وان ترفضوا تعيينات الغريب عنها، فلا تستقووا علينا جزافاً وأنتم تعجزون عن حماية أدنى حقوقنا الأساسية، لكل ما سبق، عينوا أو جددوا لا بأس عليكم…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *