آخ يا بلدنا!

النقيب خلدون نجا

هي، سبحان خالقها، أوجدها منذ البدء على صورة جنته، رابضة عند أقدام المتوسط تتكسر أمواجه عند شاطئها وكأن السيدة قد عنتها عندما شدت مرنمة “الموجه تجري ورا الموجه عايزة تطولها“.

كان عطر ليمونها وأريج وردها وبياض ياسمينها بطاقة تعريف بها.

كانت أم البساتين: زيتونها كتاب تاريخ صفحاته تحوي بين دفتيه أحاديث أمم مرت عليها سادت ثم بادت، ونخيلها نوافير خضراء ترنو نحو السماء، سماؤها رحلة طيور الدنيا صيفاً وشتاءً، قلاعها، مساجدها، معابدها، مدارسها، خاناتها أبراجها تحدث كل زائر عن قطعة من تاريخ الأمم.

علماؤها، شيوخها، مجتهدوها فرسانها، عباقرتها كانت تباهي بهم الأمم على مدى الأرض كلها.

أولادها المنتشرون في كل أصقاع الدنيا، يزرعون الجهد أينما حلوا، عقول نيّرة وسواعد خيّره وقيم موروثة وأمانة معروفة.

عمّالها، مصانعها، أسواقها، تجارها، رجال أعمالها جعلوا منها حركة دائمة وبركة مستمرة.

أهلها، قيم ودين وأخلاق، مدارس تهدي للتي هي أقوم، وبيوت أعمدتها الأولاد الصالحون، شوارعها صديقة البيئة ورفيقة الخضرة الساكنة على ضفاف نهرها.

رجالها مناضلون، مقاتلون، دوّن تاريخ كل محتل ملاحمهم ومع وقفاتهم سطرت بطولات تروى ووقفات تذكر، فلكم رفدوا كل حركات التحرر العربية والعالمية.

هكذا كانت، أجمل، أزهى، أفعل، أجل كانت، صفحات مشعّة منها ما دوِّن في أيامنا ومنها ما حوته بطون الكتب ومتونها.

واليوم وأنا أهمُّ بتدوين حاضرها أتذكر بعض الأوامر التي كانت تعطى لنا أثناء التدريبات العسكرية الخجولة التي فُرضت علينا زمن الدراسة الثانوية، فلكم تعبت آذاننا من سماع “الى الأمام سر”، “راوح مكانك”، “الى الوراء در”، “إنبطاح”.

وها أنا وللأسف الشديد لا أرى أن كلمة الى الأمام سر موجودة في قاموس هذه المدينة بينما المراوحة والسير إلى الوراء والإنبطاح هي الباقية.

فهذه المدينة الرابضة على البحر المتوسط أضحت أفقر المدن على كل شاطئه وفق إحصاءات الأمم المتحدة.

الأمواج التي كانت تنكسّر عند شاطئها بقيت أمواجاً، وذهب الشاطئ برماله الذهبية سرقها لصوص البحر والبر على مرأى من المسؤولين النائمين عن ثعالبها.

عطر الليمون وأريج الورد وبياض الياسمين، شيّعتها المدينة ودفنتها وسط غابة من الباطون ووسط فوضى من العلب التي لا تعرف الفن ولا الجمال.

بساتينها ستجهد حتى ترى أثراً لها حتى أن المدينة بأسرها لم تعد تعرف الحدائق، ولو أن الحكم المحلي قد وضع لوحات على أراض مهجورة كتب عليها (حدائق عامة).

سماؤها، في أكثر الفصول لا تُرى من دخان النفايات والدواليب المحروقة، وطيورها تعبر دون اكتراث لأنها لا تجد غصناً رياناً تستريح عليه من عناء رحلتها.

قلاعها، مدارسها، خاناتها، تستحي أن تدل سائحاً عليها وصل بالغلط إليها.

أولادها والفقر يلعبان في ملعب واحد، كرامة مهدورة وجراح نازفة وعمالة أطفال مستغربة وبطالة مستشريه وإهمال من كل مسؤول وسط صمت رهيب.

علماؤها على أبواب الحكام، مجتهدوها على أعتاب السلاطين، جلّ ما يقولون مدائح، وأكثر ما ينشرون فضائح.

عمالها، رواد المقاهي، فالمعامل نعت من بناها، والتجار أقفلوا مؤسساتهم، ومن لم يقفل ففي طريقه الى ذلك، والحد الأدنى للأجور لا يكفي بدل استهلاك كهرباء لا تأتي، ومياه لا تروي.

أهلوها لفقرهم الذين كاد ان يكون كفراً، راحوا، يتلمسون لقمة عن طريق مساعدة ويتلقون علاجاً عن طريق ذل السؤال والوقوف على الأبواب.

مناضلوها، شهداء سيوفهم في غير معاركهم لبسوا أزياء لا تليق بهم.

أفقروهم فساقوهم، الحاجة أعمت بصائرهم فلم تعد تحركهم سوى غرائز مذهبية أو طروحات طائفية.

هل عرفتها، أنا متأكد أنك عرفتها، ألا ترى معي وأنت ترى شوارعها خالية وطرقاتها فاضية، معرضها لبيع العلكة والسندويش، ومصفاتها لو عرضتها في سوق الخرده لما وجدت شارٍياً لها، ومرفأها محارَب بكل أنواع الأسلحة اللئيمة.

إنها كانت أجمل، إنها كانت أزهى، إنها كانت أفعل.

أنا وأنت والمسؤول سبب نكبتها.

إن التبس عليك الأمر فتش في ديوان المتبني فقد تجد في بيته الشهير ضالتك:

أكارم حسد الأرض السماء بهم

وقصّرت كل مصر عن طرابلس

هي كلمات… الحزن فيها مقلق والدمع معها طيّع في كلمات، هي نعوة للحاضر الذي نعيش بل نعوة للمستقبل الذي نستشرف على وقع حالة من الانبطاح لا مثيل لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *