حين يفتش الطرابلسي عن “لقمته” في حاوية

كم هو مؤسف أن نكون في طرابلس شاهدين على هكذا مشهد! رجل عجوز، متعب، يغزو رأسه شيب سنوات القهر والعجز والعوز، ينغمس في حاويةٍ للنفايات، وهو يفتش إمّا عن بعض الكراتين والبقايا البلاستيكية لبيعها بأبخس الأثمان حتّى يعيش ويؤمّن قوت عائلته الزهيد، وإمّا يفتش عن “لقمة” منسيةٍ في كيس طعامٍ مرمي، حتّى يسدّ جوعه.

في هذه المدينة، التي يحكمها كبار القيادات والمستثمرين وأصحاب الثروات، لا يزال “الفقر” عنوانها الساطع، ولا يزال “الحرمان” لعنة تلاحق معظم أبنائها كيفما ولّوا وجوههم. فقبل أن نسأل “لماذا يتهمون الفيحاء الإرهاب؟” دعونا نسأل “لماذا الفقر والحرمان أصحبا قدر الفيحاء المحتم؟”

طرابلس لا تحتاج صكّ براءةٍ لإثبات انفتاحها وتمسكها بالعيش المشترك. طرابلس تحتاج أن تعيش! وتحتاج أن لا يضطر أبناؤها للتفتيش في حاويات النفايات عن لقمة عيشهم. فهم أصحاب كرامة، لكنهم من دون حولٍ ولا قوّة.

صغارٌ في المدينة يتسولون في أزقتها، وكبارٌ ينتشرون فوق حاويات نفاياتها. أليس كفيلًا هذا المشهد أن يهزّ نخوة الغيارى على هذه المدينة؟ وأليس كافيًا حتّى يعلنوا في طرابلس “حالة طوارئ” لمداواتها وإنعاشها بالإستثمارات وفرص العمل التي قد تمسح عنها غبار الفقر اللعين والسام؟

قد يكون ذلك حلمًا مستحيلًا بعد تجارب السنوات الماضية، لكن، حان الأوان أن نقول بالفم الملآن: كفى ذلًا، فكرامتنا خطٌّ أحمر!

جنى الدهيبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *