ملف النزوح الى الواجهة

محلل الشؤون الدولية- “البيان”

عاد ملف النزوح السوري إلى الواجهة من جديد بعد الحملة التي أطلقها التيار الوطني الحر ضد العمالة السورية ورفع شعار “بتحب لبنان وظّف لبناني” للضغط على النازحين للعودة إلى سوريا، والإيعاز الى القضاء والقوى الأمنية  تفتيش أماكن عمل السوريين والقبض على المخالفين الذين لا يتقيدون بقانون العمل لجهة امتهان مهن وحرف محددة يمنع القانون ان يعمل بها الأجنبي إلا في قطاعات البناء والزراعة والتنظيفات، ناهيك عن إغلاق المتاجر والمحال التي يملكها السوريون، علماً بأن بعض اللبنانيين يعمدون الى الاستعانة باليد العاملة السورية الرخيصة، إلا ان هذه الحملة قوبلت برفض لبناني وسوري على السواء حيث اتهم التيار البرتقالي بالعنصرية  من خلال حملته، خاصة وأنه أوعز الى البلديات ان تبادر للقيام بدورها في هذا المجال أسوة ببلدية حدت بيروت التي فرضت على اهالي البلدة عدم السماح بتأجير بيوتهم لسوريين او توظيفهم ومنع تجولهم مساء لدرجة ان السوريين في لبنان دعوا لإضراب عام والاعتكاف عن العمل في رسالة رمزية أرادوا القول فيها ان يعود لهم في إعمار لبنان ونهضته، لكن رئيس التيار الحر وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل في مؤتمر البلديات اعتبر ان  كل من يتّهم التيار بالعنصرية هو مستفيد أو متآمر وقال ان هناك من يغطّي العودة لصالح الخارج، مؤكداً ان تجربة النازح الفلسطيني لن تتكرر مع النازح السوري في لبنان فمنذ 71 سنة اللاجئ الفلسطيني ينتظر العودة الى أرضه، لافتاً الى ان هناك قوى دولية مستفيدة من عدم عودة النازحين السوريين وهذه مؤامرة على لبنان كذلك هناك نية دولية لتوطين اللاجئين الفلسطينيين.

وصحيح ان النزوح السوري يُشكّل عامل ضغطٍ كبير على قطاعات المجتمع كافة وكل المناطق تتذمر من الوجود السوري والبعض يتظاهر ويعتصم لاسيما في الشمال، إلا ان هذا الملف يجب ان يحل سياسياً وبالتوافق وبقرار موحد من الحكومة اللبنانية وبالتعاون مع المجتمع الدولي ومع سوريا، الدولة المعنية الأولى بأبنائها، وليس بالضغط على النازحين بهذا الشكل واتباع خطاب عنصري ضدهم وإلا سيتم خلق بيئة معادية للسوريين ما يؤدي الى توتر وعدم استقرار، وتفلت الأمور من عقالها الى أعمال عنف وما شابه، حيث لا يجوز هنا التوظيف السياسي لمعاناة النازحين من أي طرف كان، ولا بد من مقاربة الأمور علمياً وموضوعياً وإنسانياً، والعمل على حله بما يرضي النازح ويساهم في عودته الى بلده، وبالتالي المطلوب من الحكومة ان توحّد موقفها حول مسألة النزوح، خاصة مع وجود فريق يطالب بالعودة الطوعية والآمنة وبتنسيق مع المجتمع الدولي ويرفض التنسيق مع الدولة السورية بحجة عدم مساهمته في تعويم النظام السوري من جهة، ولأنه يقول ان النازح لا يعرف ما سيحل به إذا عاد بشكل غير آمن وقد يقتل أو يسجن أو يؤخذ الى الخدمة العسكرية، ويؤيد ضمناً المنحى الدولي القائل بعودة النازحين بعد نضوج الحل السياسي واستتاب الأمن نهائياً، فيما فريق آخر يرى ان هناك ضرورة للتنسيق مع سوريا كدولة وحكومة، لاسيما وان هناك سفراء بين البلدين ومعاهدات واتفاقات ومجلس أعلى، وكل الذين عادوا طوعياً بمبادرة من الأمن العام وبالتنسيق مع مفوضية اللاجئين لم يتعرضوا لأي سوء، لاسيما وان هناك مبادرة روسية وافق عليها النظام السوري وأعطى ضمانات وتعهدات بعدم التعرض لأي نازح عائد، وعدّل في بعض القوانين لتسيير أمور العودة، ولبنان يؤيد هذه المبادرة وسبق ان وافق على العودة الطوعية من قبل الأمن العام، لكن الأعداد العائدة وصلت الى حدود 200 ألف فقط فيما يوجد مليون ونصف المليون نازح بإنتظار العودة الى بلادهم ومدنهم وقراهم التي أصبحت آمنة بعد سيطرة النظام على معظم مساحة الأرض السورية.

واليوم يعود الحديث عن المبادرة الروسية بعد زيارة المبعوث الروسي الرئاسي ألكسندر لافرنتييف على رأس وفد كبير لبنان للبحث في هذه المبادرة وتوجيه دعوة للبنان لحضور مؤتمر آستنا بصفة مراقب، إلا ان هذه المبادرة لا تزال تفتقر الى التمويل الضروري لإنجاح العودة الآمنة والكاملة وللغطاء السياسي خاصة، وان الولايات المتحدة وحلفاءها يربطون العودة بالحل السياسي النهائي للأزمة السورية وهذا أمر طويل الأمد ويرتب المزيد من التداعيات الخطيرة على لبنان، في وقت أكد وزير الخارجية السورية وليد المعلم دعمه للمبادرة الروسية، ودعا الحكومة اللبنانية للتنسيق مع الحكومة السورية، وقال ان حكومته تقدم كل التسهيلات لعودة النازحين وملتزمة بما تم الاتفاق عليه مع وزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب، مشيراً إلى أن الحكومة السورية منفتحة للتعاون مع الجهات التي تمارس سياسة صادقة في قضية عودة النازحين، محمِّلاً الحكومة اللبنانية مسؤولية التقصير في التعاون والتنسيق المشترك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *