هل من صحوة طرابلسية؟

لم تعرف طرابلس في تاريخها أياماً أكثر قتامة وصعوبة من هذه الأيام، حيث بلغ التقهقر في حياتنا مداه، فتعطلت أشغالنا، وبارت تجارتنا، واندثرت صناعتنا، وتلاشت زراعتنا، وماتت سياحتنا، وأصبحت مدينتنا الصابرة تعيش على باب الله، وتستدرّ الشفقة من القلوب القاسية، ويحلم فقراؤها بإحسان المحسنين وتفضّل المتفضلين.

طرابلس وصلت في هذه الأيام السوداء الى قمة التراجع والتردي والانحطاط، وفقدت روحها وحيويتها وتواصلها مع ماضيها، وكادت لشدة غربتها عن تاريخها تفقد ذاكرتها الحضارية، وتنسى شخصيتها المميزة، وتتنكّر لدورها الريادي، وتضيّع ثقتها بنفسها بعد أن ضيّعت ثقتها بالآخرين.

طرابلس لم تعد قادرة على متابعة مسيرة الانحدار، ولا بد من استحداث ورشة جدية وحقيقية للإنماء، وتشجيع فرص الاستثمار وتشغيل المرافق العامة، وتنشيط الحركة السياحية، وبناء الفنادق والمؤسسات، وفتح أسواق المدينة للأقضية المجاورة، وللزوار وللسواح كي تعود المدينة الى سابق عهدها في الازدهار والاستقرار.

طرابلس بحاجة الى حركة الإنماء بنفس حاجتها الى التوظيفات المالية والمشاريع الإنشائية والخدمات البلدية المميزة.

طرابلس لن تستعيد دورها ومكانتها الاقتصادية والتاريخية إلا يوم تستعيد الجوار المسيحي الواسع الذي خسرته أثناء فترة الأحداث المشؤومة.

إن طرابلس أيام آبائنا وأجدادنا كانت مثالاً حياً على سماحة الإسلام ونبله واحتضانه لإخوانه المسيحيين، فكانت العلاقات الإسلامية- المسيحية في طرابلس نموذجية وراقية، حتى ان كثيرين من المسيحيين في زغرتا وبشري وعكار والكورة وغيرها غادروا قراهم وسكنوا مدينة طرابلس، ونعموا بالعيش الأخوي مع مسلميها، وكانوا عنصراً أساسياً في ازدهار تجارة المدينة وصناعتها.

ان طرابلس– بعد التجربة الأليمة التي مرت بها– مصمِّمة على استعادة الجوار المسيحي الذي خسرته، على قاعدة الأخوة الوطنية، والشراكة الإيمانية، والعيش الإنساني المشترك. وعلى قيادات المدينة ان تأخذ المبادرة مع دار الإفتاء من أجل خلق المناخات والأجواء المؤاتية التي تسهم في إزالة مخاوف جيراننا المسيحيين، وتصحّح الصورة المشوّهة عن المدينة التي تلصق بها تهم التعصب والتزمت والطائفية.

إن هذه القضية لم تعد ترفاً يتسلّى به البعض، بل أصبحت مسألة حياة أو موت للمدينة التي تتوق الى استرجاع دورها الاقتصادي العريق، واسترجاع هويتها الحقيقية كعاصمة للشمال بدل كونها عاصمة للفقر والفقراء في لبنان.

أمل زيد حمزة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *