مشروع إشارات السير ينبش أمعاء المدينة

تشبه شوارع طرابلس في هذه الأيام، وتحديداً عند تقاطعاتها الرئيسية، جثة رجل رُمي على سرير غرفة العمليات في أحد المستشفيات، ثم بدأ الأطباء والجرّاحون في تقطيع أوصاله وفي نبش أمعائه ومعدته، من أجل معالجته من مرض معين يعاني منه، لكنهم للمفارقة عجزوا بعد ذلك عن إعادة أعضائه كما كانت قبل تقطعيها.

كل سنة تقريباً تشهد الطرقات والشوارع الرئيسية في طرابلس حفريات معينة، يقولون مرة إنها بهدف تمديد شبكة الصرف الصحي أو تجديدها، أو بهدف مد شبكة تصريف مياه الأمطار التي تغرق فيها المدينة عند كل شتوة، أو من أجل مد شبكة الهاتف، أو من أجل مد شبكة مياه الشرب، وهكذا دواليك، حتى تكاد معاناة شوارع طرابلس مع الحفريات قصة تعرف بدايتها لكن لا يمكن أبداً معرفة نهايتها.

والمؤسف والمستغرب في كل ذلك، أنه لا يوجد أي تنسيق بين الشركات المتعهدة تنفيذ مشاريع مدينة طرابلس، ولا رقابة أو متابعة عليها بشكل فاعل من قبل البلدية أو من قبل مجلس الإنماء والإعمار أو أي جهة رقابية معتمدة، إلى درجة يبدو معها أن مشاريع المدينة تنفَّذ بشكل عبثي وفوضوي وغريب، وأن كل شركة تنتظر انتهاء الشركة التي سبقتها وأنهت مشروعها وقامت بتزفيت الشارع الذي حفرت فيها، لتعاود الشركة الجديدة الحفر في الشارع نفسه!

مؤخراً بدأت شوارع المدينة، وتحديداً عند تقاطعاتها الرئيسية، تشهد أعمال حفر ونبش عند زواياها، من أجل وضع إشارات سير وتشغيلها، فقامت الشركة المتعهدة بتخريب الأرصفة التي تكلفت البلدية عليها ملايين الليرات قبل فترة قصيرة، وعملت على تضييق الشوارع عند التقاطعات، وتوسيع أرصفة في أماكن ونقاط أخرى، بشكل أثار تساؤلات عن هوية المهندسين “العباقرة” الذي يقومون بتنفيذ هكذا مشروع، وهل أنهم يعيشون فعلياً مشاكل المدينة ومطلعين فعلياً على مشاكها، وهل لحظوا خصوصية طرابلس بما يتعلق بإشارات السير هذه، والنقاط الرئيسية التي يجب أن توضع فيه؟

إن طرابلس التي تحتاج فعلاً إلى إشارات سير لتنظيم حركة المرور فيها، تحتاج قبل ذلك إلى عقول تملك رؤية واضحة عن واقع المدينة ومستقبلها، ومستعدة للتفاني من أجل تطويرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *