يوميات شابة في طرابلس

تستعجل المصعد الذي سينقلها الى عيادة الطبيبة، خمس دقائق تفصلها عن موعدها مع طبيبة الصدر، لا بوادر لوصول المصعد إليها. تعيد محاولات يائسة في طلب المصعد. تكبس على زر المصعد كبسات متتالية، ولكنه دائم الانشغال. يكتظ طلبة المصعد حولها، حتى وصل أخيرًا إليها. تصل الى الطابق الثامن، وتحث الخطى نحو عيادة الطبيبة. في الانتظار خمسة مرضى غيرها. تلاحظ أن العدد فاق توقعاتها. بعد انتظار أربعين دقيقة تخطت الموعد المقرر، أخيرًا، تدخل.
تقول للطبيبة إنها قصرت في أخذ الطعم اليومي لأن الجمارك عرقلته في المطار. توقفت عن تناوله عشرة أيام. ثم تشكو أنه زاد ثمنه عشرة آلاف ليرة منذ سنة. تجيب الطبيبة أنه حال أغلب الأدوية التي فًرضت عليها ضرائب إضافية، لا سيما المستوردة منها. تقول الطبيبة إن تراجع حالها ليس فقط نقصان الطعم، بل سببه التلوث في الجو، وعبقات الصدر تزيد، والحساسيات التي تتفاقم ويتحول بعضها في المدينة الى طرف ربو وربو. تشعر المريضة بإلحاحية الحالات في الخارج، لا تطيل الحديث. تخرج مع وصفتها الدورية من الأدوية، أضيف إليها بخاخة كورتيزول للفم، بعدما تقدمت بها حالات ضيق النفس وصار لا بد لها من حلول سريعة، لتركن إليها في حالات استثنائية، أي على شفير الاختناق، الذي باتت تألفه تقريبًا. تدفع المعاينة التي ارتفع ثمنها أيضًا عشرة آلاف ليرة وتغادر. الأسطوانة نفسها في مصعد النزول. تصل أخيرًا الى الشارع.
الى جانبها في عربة التاكسي سيدة بسنّ أمها تستعجل السائق، الذي ضاق ذرعًا بإلحاحها، يقول إن البلد بحاجة للحرق، هي فعلًا تحترق في سيارته من موديل قديم ينفث عبر نوافذها هواء ساخناً يأتي بغرابة من سماء ملبدة ولكن حارة. تحدّث الصبية نفسها بأن السماء الملبّدة المصحوبة بهواء سخن هو أبشع أنواع الطقس على الإطلاق. تسترسل السيدة كأنما تحدث نفسها: حفيدتها بعمر الشهرين تعرضت لعقصة حشرة لا يعرفون نوعها، تقول إنّهم يعيشون في منطقة المئتين وباتوا يشاهدون حشرات فوسفورية غريبة الشكل، وتتساءل الى متى سيظل جبل النفايات باقياً. تتحدث عن الشرف والضمير، وتقول إنه انتهى، وتدعو على كل النواب والمسؤولين أن تلطش الحشرات أجسامهم “واحد واحد”. هنا توقف السيارة فرامل قويّة جدًا، يطلق الجميع الصرخات، وتختضّ على أثره السيارة بمن فيها. شاب على الموتورسيكل صبغ شعره بالأخضر الفاتح كان قد اعترض سيارة الإجرة. طار الشاب من الموتورسيكل وانبطح أرضًا. نزل السائق والتمت الناس. يضع الشاب يده على صدره ويتجهّم متوجعًا، ترى الصبية هذا المشهد من حولها ولا تسمع سوى دقات قلبها التي ارتفعت على كلّ الأصوات. يعود السائق الى سيارته ويقول “ما بعرف شو كان بدي قله، بعيط عليه أو بقلو الحمد لله على سلامتك. كان بدي إضربو بس وجعلي قلبي. حرام. حرام. كان رح يعملي مصيبة”.
تستعيد الصبية جأشها، وتحاول أن تصمّ أذنيها عن تبرّم السيدة من الحادثة، التي أضافت إليها إلحاحها الأول لتصل بسرعة الى المنزل في ساحة المولوي في أبي سمراء. ثم تفهم أن السيدة مستعجلة لتلحق مصعد البناية، قبل أن تحلّ الساعة الثانية من بعد الظهر وتنطفئ الكهرباء. عند الثانية إلا دقيقتين تصل، وتهرول السيدة مسرعة الى البناية. تفكّر الصبية ما إذا اختارت المصعد، وإن فعلت، هل استطاعت الوصول بسلامة الى بيتها، وإن علقت، هل يسمع الجيران استغاثاتها وينقذونها بسرعة؟
يقطع حبل أفكارها اتصال من مسؤول صفحة في جريدة. يتحدثان بشأن العمل. ما تكاد تقفل الخلوي حتى يسألها سائق الإجرة، بنبرة فرحة، فيها شيء من التمجيد “إنتِ صحافية؟”. لم تجِب. يكمل حديثه، غير آبهٍ بعدم الرد. يقول لها إن لديه أخباراً كثيرة، وأن الصحافيين وسائقي الأجرة متساوون في معرفة أخبار البلد. ولمَ لا تقيم معه حديثًا؟ لن تندم. ويسأل سؤالًا أخيراً: ألا تسمعين حضرتك ماذا يحدث كل يوم؟ السوريون. طفل حديث الولادة مرميّ في برميل الزبالة وجدوه بالقرب من المأوى. يقال إن أمه سورية، “بتكون عاملتلا شي عملة وكاببتو… والله خربولنا البلد. حسب رأيك، لوين رايح البلد؟”.
كادت تفتح فمها لتقول له، إنّها ليست الشخص المخول لقراءة أوضاع البلد. وليس هذا واجب كل صحافي. والصحافي لا يصحّ أن يصبح مستجوبًا لدى كل من يراه، هو من يقابل الناس وليس العكس. وما شأنك أنت في مهنتي. وما كان يصحّ أن تستمع الى مكالمتي. وإن استمعت تسكت فقط. ظلت هي ساكتة، أخيرًا، ونزلت من السيارة.
حين تصل الى المنزل، يقال لها إن أمها ذهبت الى البلدية لدفع ضرائب، عرفت فيما بعد أنها ضريبة المنزل حيث يسكنون. ثم يدق الباب شاب لا تعرفه، تراه من العين السحرية، يقول إنه مصلّح المكيف. يدخل المنزل لإصلاحه، بعدما عطله فارق الإمداد الكهربائي بين الكهرباء والاشتراك الذي يغصّ أحيانًا كثيرة، ولا رجاء في استتباب أحواله، لأن مولدات الاشتراك يحتكرها مالكان يتنافسان في الشح والتقتير.
تنتبه الى هاتفها المحمول مجددًا، بعدما التقط الوايفاي. صحافي صديق ينقل على الفيسبوك تغريدة أخيرة للواء من طرابلس، كان هو عراب مجلس بلدية المدينة الذي انتخب من سنتين، يغرد، معتذرًا “أعتذر من أبناء طرابلس عن إخفاق البلدية ولم أعد معنيًا لا معنويًا ولا سياسيًا بعمل المجلس البلدي وأدعوه للمرة الأخيرة ليشكل فريق عمل متجانس خدمة للمدينة وإنقاذًا لسمعتهم”. وكان نهارها بالكاد قد بدأ.

جودي الأسمر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *