95% من مالية الحميدي من جيب الفقراء ومحدودي الدخل

ثمّة حقيقة طرابلسية لا لبس بها ولا خلاف عليها، تأتي في بلوغ لجنة المسجد الحميدي موقع أهم لجان مساجد المدينة. على ضوء المنافسات الضارية التي تحكم دينامية العلاقات المؤسساتية وحتى الدينية داخل المدينة السنية الأولى في لبنان، قلما يحدث إجماعًا على امتياز حققه كيان مجتمعي كـ”وقف الحميدي الخيري”. السبب الأساس ينطوي على الجدارة: يوجّه هذا الوقف مجلس أمناء مخلصون أعضاؤه في تطوعهم الخالص، ومساهمتهم الذاتية، برئاسة فضيلة الشيخ وليد علوش الذي التزم عمله لأجل جامع الحميدي ووقفه منذ عام 1986.

في تقرير الوقف الأخير، تظهر على سبيل المثال الكفالات الطبية لـ1240 أسرة، فضلًا عن مساعدات عينية بلغت قيمتها مليون دولار، وخدمات إغاثية للاجئين ناهزت كلفتها مليونًا و400 ألف دولار. ومن نافل القول أن تفاني الشيخ وليد علوش ونزاهته قد حققا مأسسة هذا الوقف، الذي ما لبث أن حقق على مرور 42 عامًا استمرارية خولته لتحقيق وثبة نوعية في القطاع الطبي في محافظة الشمال: “مستشفى الحميدي الجامعي” الذي أعلن عنه في احتفال أقيم أول هذا الشهر في نقابة المهندسين في طرابلس.

قبل نحو سنتين، أجرت “البيان” حديثًا مع فضيلة الشيخ علّوش، في سياقه كان مشروع مستشفى الحميدي الخيري حلمًا، أصبح في حوارنا اليوم حقيقة سترى النور في السقي الشمالي من منطقة الضم والفرز. لقد أصبح المستشفى الجامعي على قاب قوسين أو أدنى من استيفاء تكاليفه الكاملة، قبل الشروع في دراسته التفصيلية وتلزيمه.

كيف استطعتم إطلاق أعمالكم الخيرية القائمة على تكافل أهالي المنطقة عام 1977، وسط أجواء النزاعات وهيمنة الشقاق؟

بعد حرب السنتين، أصدر المفتي حسن خالد رحمه الله قرارًا بإنشاء لجان مساجد في كل لبنان. وحينذاك، كانت لجنة المسجد الحميدي أول لجنة مسجد أنشئت في طرابلس. جلّ الرعيل الأول كانوا تجارًا طرابلسيين راكموا سمعة أخلاقية طيّبة، وكانوا بمثابة مرجعيات للمنطقة، تثق بهم الناس. نذكر منهم الحاج سميح عدرة التاجر في الأسمدة الزراعية، والحاج نجيب عويضة تاجر الصابون والحاج حلمي ياسين رئيس اتحاد أرباب العمل في الشمال آنذاك، والحاج أحمد الشهال. كان هؤلاء يؤدون صلواتهم في المسجد الحميدي، فقرروا إنشاء هذه اللجنة، سعيًا منهم للملمة جراح الناس بعد حرب السنتين، والتعاضد لخيرهم. ثم استلمت جامع الحميدي عام 1986.

كيف تشرحون الفارق بين الجمعيات الخيرية والوقف الخيري؟

لا بدّ أولًا من تفنيد الفوارق بين الأوقاف؛ هناك الوقف العام التابع لدائرة الأوقاف الإسلامية، وهناك الأوقاف الذرية التابعة للمحكمة الشرعية والتي يتولاها القاضي الشرعي، وهناك الأوقاف المستثناة التي تضم عقارًا مردوده مثلًا لليتامى، أو لتطبيب الناس أو تعليمهم، وهذا ما يسمى بـ”الحجة الوقفية” التي تحدد مجال تدخل الوقف. “الحميدي” من الأوقاف المستثناة، التي تتشابه مع الجمعيات بوجود نظام داخلي ومجلس أمناء يدير الوقف، وانتخابات، وآلية اتخاذ القرارات. ويختلف عن الجمعيات بالعلم والخبر الذي نحمله من رئاسة المحكمة الشرعية التابعة لرئاسة مجلس الوزراء، ونظامنا الداخلي ومجلس الامناء مسجلان لدى المحكمة الشرعية.

أعمال العديد من الجمعيات ذات الطابع الديني باتت تتوخى غايات سياسية، أو تحلّ وسيلة لبلوغ موقع سياسي. كيف استطعتم تحييد أنفسكم عن هذا المنحى المتفشي؟

نحن مؤمنون أننا وقف خيري يعمل لوجه الله، وهدفه مرضاته، لا نبغي على عملنا جزاء ولا شكورًا. لذلك حرصنا على التزام دورنا كوسيط، نوصل مال الزكاة والصدقات الى مستحقيه من دون منة، فالله سبحانه وتعالى قال في كتابه “يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين”. معنى الآية، أنّ أجر الصدقة لا يجب تبديده في المنّة أو انتظار المقابل. لذلك التزمنا شفافيتنا، وظللنا مجموعة تعمل “من.. إلى” ولا نسخّر هذه الأموال لخدمة أحد. مع محبتنا واحترامنا لكل العاملين في السياسة، نحن نعمل من منطلق ديني صرف. كيف إذًا أذهب الى الفقير الذي ساعدته وأدعوه لحضور برنامج انتخابي؟ الامتزاج بالسياسة يسيء للتعاليم الدينية، ولفريضة الزكاة، ولمن يؤتى الزكاة، ولمن يزكى له.

كيف ولدت فكرة إنشائكم مستشفى جامعي؟ ما هي دوافع هذا المشروع الضخم؟

كنت قد طرحت فكرة المستشفى الجامعي أمام أخواني في مجلس الأمناء في تموز من العام 2016. قلت إننا نتمتع بإمكانات مناسبة، ونحن محط ثقة الناس، سيحاسبنا الله تعالى إن لم نبادر لخلق فرص عمل لهذه المدينة المنكوبة. فتعاطينا اليومي وقديم العهد مع الناس أمكننا من تحسس بطالتهم وفقرهم ومعاناتهم. وكنت قدرت كلفة المستشفى بحسب دراسة تقريبية بـ50 مليون دولار أمريكي، فاستبعد الأمناء هذا المشروع بسبب رأس المال الضخم. ثم طرحت هذه الفكرة مجدداً، عدة مرات، الى أن ألهم الله اخواني في المجلس ووافقوا عليها. وكانت حجتي: أن لدينا مقدرة إنشاء مستشفى يستوعب ألف فرصة عمل، في بلد نسبة الفقر بداخله 80% و25% تحت خط الفقر، والأرقام مرشحة للارتفاع إن أمعنت الدولة في سياسة التقشف.

ثمة دوافع عدة وراء إنشاء المستشفى الجامعي، أولاها غياب المستشفيات الجامعية في المنطقة، فيحمل الواقع أولادنا الأطباء وطلاب الطب على الانتقال والتنقل الى بيروت، متكبدين زحمة السير والوقت المهدور. هذا المستشفى لأولاد الشمال المتخصصين في قلب منطقتهم. ثانيًا، آلية تحديد وتعيين الأطباء ورؤساء الأقسام، تمرّ ببروتوكولات أكثر دقة وصعوبة من سائر المستشفيات، وبالتالي نحقق خدمة طبية أفضل. ثالثًا، نحن نتكامل مع مستشفيات الشمال الموجودة، وتقوم علاقتنا على التكامل والتعاون معهم. لقد لمسنا حاجة المدينة لتنفيذ عمليات حساسة ونادرة لم تنجز سابقًا في منطقتنا، ما من شأنه ردم فجوة كبيرة. سنسعى لتوفير هذه الخدمة للمريض الذي يقصد المستشفيات الجامعية في بيروت، فنوفر عليه التشرد على الطرقات مع ذويه والمصاريف إضافية.

تقولون إن جهود المؤتمنين على “وقف الحميدي” هي تطوعية بحتة، إنما من المشاع أن المشاريع والمبادرات القائمة على التطوع تتآكلها الفوضى وصولًا لانهيارها. كيف استطعتم بلوغ هذا التنظيم وكيف تضمنون استمراريتكم؟

لقد أرسينا خطّة مالية مدروسة بموجبها تكافأت الواردات مع المصاريف، وأهلتنا للعمل بسعر الكلفة. فإلى جانب أموال المتبرعين، نعتمد على رسوم الخدمات الطبية في المركز. نتحدث هنا عن حسم يصل الى 40% في المختبرات والصور، ومعاينات تتراوح بين 8000 و15000 ل.ل. ولكن جودة الخدمات الطبية حققت كثافة عالية في المراجعات التي ناهزت ألف مريض ساهموا في تحقيق واردات تحفظ استمراريتنا. وهذا النمط سينطبق أيضًا على مستشفى الحميدي الجامعي الذي ينشأ بجهود المتبرّعين. إنما خدماته مطوّعة للقدرات المادية للطبقات الغنية والوسطى والفقيرة والأرامل واليتامى، فتساهم هذه الرسوم في تغطية نفقاتنا. ونحن نجتهد في دراسات المالية والمحاسبة في سبيل ضمان هذه الاستمرارية. لكن دأبنا على العمل المدروس مقرون دائمًا بيقيننا بالله والاتكال عليه.

إزاء هذه العطاءات الواسعة والخير المتنامي، يبرز السؤال: من هم أكثر متبرّعيكم؟

أذهب الى حد القول إن 95% من مالية الحميدي من جيب الفقراء ومتوسطي الدخل الذين يدفعون صدقاتهم وزكاة أموالهم. أحدهم، مثلًا، يتقاضى أسبوعيًا 100 دولار ويساهم شهريًا بمبلغ 25 ألف ليرة. بمعنى يصرف اللقمة عن نفسه ليهب الوقف. قوة الحميدي كامنة في الناس البسطاء الذين كونوا حاضنة شعبية ضخمة اقتنعت بمشروعه. أؤمن أنه للأموال التي جناها الفقير من عرق جبينه بركة تضاعف عطاءنا ونجاحنا.

كيف يستطيع قراء “البيان” دعم مستشفى الحميدي الجامعي؟

بقي نحو 712 ألف دولار من كلفة التأسيس، من المتوقع أن نسددها خلال شهر رمضان المبارك. أناشد وسائل الإعلام للتعاون معنا لتوجيه أموال الزكاة نحو مكانها الصحيح. وأناشد أهل الخير التأكد من موضع صدقاتهم وزكاتهم. وكذلك الأغنياء الذين يخرجون صدقاتهم، يقع على عاتقهم واجب حيال البلد التي تربوا بها. أنا لا أرضى أن أحمل من الإمكانات ما يساهم في نهضة منطقتي، وأقف متفرجًا أمامها وهي ترزح تحت أتون البطالة والعوز. أجدادنا أهل خير. جيل اليوم هو أيضًا أهل للخير ولكن نعاني انعدام ثقة بينهم وبين القائمين على المشاريع والجمعيات الخيرية. وهذا واحد من التحديات التي نواجهها معهم. البعض يؤمن بنزاهة ومصداقية وقف الحميدي، ولكن تبقى لديهم تساؤلات والمواقف الحذرة. بالمقابل، سجلُّنا أثبت أن وقف الحميدي ليس “مملكة خاصة” وظفنا فيها أولادنا أو أقاربنا. هو وقف خيري لا يورّث ولا يباع ولا يستبدل. وبوجود الإخلاص، ييسر الله لنا ولكم خير الأعمال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *