تأهيل الكورنيش البحري لم يصب الأهداف المعقودة عليه

يشهد كورنيش الميناء منذ أشهر عملية تأهيل تحضيراً له ليصبح جزءاً من واجهة مدينة الميناء البحرية. افتقر هذا الكورنيش، ومنذ أن تم إنشاؤه، الى عناصر تجعله قبلة سياحية، كما يفترض أن يكون أي كورنيش بحري يمتلك كل المقومات التي يمتلها كورنيش مدينة الميناء. وبقي لفترة طويلة حديث الناس والإعلام والتواصل الإجتماعي خاصة وأنه مرّ في مراحل عديدة من التعديات والمخالفات وإنشاء المقاهي العشوائية على رصيفه وتراكم الأوساخ والنفايات الناتجة عن الزوار وعجقة السير التي يخلقها خاصة في نهاية الأسبوع حين يستقبل هذا الكورنيش مئات الزوار من المدينة وخارجها. هذا بالإضافة الى مشكلة كبيرة يعاني منها سكان المدينة وزوار هذا الكورنيش وهي روائح المجارير التي تصبّ مباشرة في مياه البحر.

بقي هذا الكورنيش لسنوات متتالية نقمة على مدينة الميناء بدل أن يكون نعمة، وتعالت الصرخات المطالبة بإيجاد حلول للمشاكل المتراكمة عليه. كانت بداية الحلول لمشاكل هذا الكورنيش القرار الحاسم الذي اتُّخذ من قبل الجهات السياسية والرسمية والأمنية بإزالة كل المخالفات من أكشاك ومقاهٍ وبسطات على طول الكورنيش البحري. جاءت هذه الخطوة لتفسح المجال أمام طرح مشروع تأهيل الكورنيش بعد أن كان مطلباً أساسياً تنادى إليه كل مجتمع المدينة وطالب به على مدى سنوات.

لهذا وبعد إزالة المخالفات عن الكورنيش البحري، أطلق مشروع تأهيل الكورنيش البحري لمدينة الميناء ويتم العمل به على مراحل مختلفة يجري من خلالها تأمين التمويل لكل مرحلة من مراحله على حدة. في تشرين الأول من العام 2018، إنتهى العمل في المرحلة الأولى من هذا المشروع حيث تم تأهيل مسافة 800 متر من الكورنيش، وهي تمتد ما بين قصر الرئيس ميقاتي وصولاً الى جزيرة عبد الوهاب. بلغت كلفة المرحلة الأولى الإجمالية مليوناً و800 ألف دولار. ويأتي هذا المشروع ضمن إطار برنامج التوظيف المكثَّف والبنى التحتية في لبنان الذي قامت به وزارة العمل بالتعاون مع وزارة الشؤون الإجتماعية وبتمويل من الحكومة الإلمانية بالشراكة مع منظمة العمل الدولية وبرنامج الأمم المتحدة. وفي شباط من العام الجاري، انطلق العمل في المرحلة الثانية من تأهيل الكورنيش البحري ويجري العمل حالياً على اللمسات الأخيرة من هذه المرحلة التي تم فيها تأهيل مسافة 500 متر ممتدة من جزيرة عبد الوهاب وصولاً الى قبالة مدرسة مار الياس. مُوِّلت المرحلة الثانية من مشروع تأهيل الكورنيش من قبل الحكومة البريطانية. ويعمل حالياً على تأمين التمويل للإنطلاق في المرحلة الثالثة من تأهيل الكورنيش.

يستطيع أي زائر للكورنيش البحري لمدينة الميناء أن يشهد المتغيرات التي حصلت عليه. وبدأنا نلحظ إقبال الناس على القسم المنتهي من المشروع خاصة محبي ممارسة رياضة المشي والركض وركوب الدراجات الهوائية. لقد تمّت توسعة رصيف الكورنيش و”تعريضه” لكي يصبح متعدد الخدمات، وجرى تبليطه وتركيب مقاعد خشبية، وأُضيفت إليه مساحات خضراء زُرعت فيها نباتات مختلفة وأشجار تتماشى مع طبيعة البيئة البحرية. إن الهدف من تأهيل هذا الكورنيش أن يصبح متنفساً لأبناء المدينة وزوارها من كل المناطق المجاورة، وأن يخلق حركة تفاعلية– إقتصادية- سياحية- إنمائية تعود بمردودها الإيجابي على المحلات والمطاعم في المدينة. كما لحظ هذا المشروع خطاً آمناً لمحبي ركوب الدراجات الهوائية مع تأمين مواقف لدراجاتهم عليه. ستخصص منطقة لبعض أكشاك المأكولات التي ستكون مقابل إيجار شهري وتحت رقابة البلدية وتخضع لشروط صارمة جداً. يُعمل حالياً على إنهاء المرحلة الثانية من هذا المشروع لكي يتسنّى للمتعهد الحالي إضفاء بعض اللمسات الأخيرة على ما نفِّذ في المرحلة الأولى خاصة لجهة تركيب عواميد الإضاءة وغيرها من “الرتوشات”.

وتبقى لدينا تساؤلات عديدة نضعها في سياق النقد البنّاء لمشروع كنا ننتظر منه أن يحاكي إحتياجات مدينة بحرية يمكن أن تصبح قبلة سياحية من الطراز الرفيع:

لماذا لم يلحظ هذا المشروع مراكز سياحية– إرشادية تُعرّف عن أهمية مدينة الميناء القديمة منها والحديثة وعن أهمية موقعها الجغرافي والكنوز العائمة في بحرها ونقصد بها الجزر والمحمية؟ لماذا لم يشبك مع مختلف المحلات والمطاعم لوضعها على خارطة سياحية تكون متواجدة في أماكن مختلفة على طول الكورنيش فيتعرف عليها الزوار ويقصدونها، طالما أن الهدف من هذا المشروع كما يقال إنمائي– سياحي- اقتصادي؟ من سيضبط الأمن على طول هذه المساحة؟ كيف ستعالج مشكلة عجقة السير خاصة بعد تضييق الطريق؟ أين الحمامات العمومية؟ من سيؤمّن صيانة مستدامة لهذا المشروع…؟

هذا غيض من فيض الأسئلة التي تشغل البال، فللسياحة والإنماء مقومات مختلفة جداً عما نشهده في هذا المشروع. لكن إن كان الهدف الأساسي من هذا المشروع توسيع الرصيف لاستقبال أكبر عدد ممكن من الزوار، فهنيئاً لمدينة الميناء بأزمتها الجديدة المقبلة عليها قريباً…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *