من يدفع الناس الى الموت غرقاً؟

أعادت حادثة غرق مركب الصيد قبالة شاطئ شكا قبل أيام تسليط الضوء على الهجرة غير الشرعية من لبنان الى الدول الأوروبية عبر البحر، وعلى المافيات التي تنشط في هذا المجال وتسعى لاستغلال الوضع المعيشي السيء للنازحين السوريين وكذلك للمواطنين اللبنانيين، وإغرائهم وحثهم على القيام بهذه المغامرة الخطرة وعلى دفع مبالغ مالية طائلة قبل أن يتركوهم يواجهون مصيرهم في عرض البحر، حيث غالباً ما يكون مصير مراكب الهجرة الغرق وموت أو فقدان من عليها، وفي أحسن الأحوال وقوعهم في القبضة الأمنية.

وكان أحد مراكب الصيد تعرض للغرق قبالة شاطئ شكا وعلى متنه ثمانية سوريين من النازحين، كانوا ينوون الهجرة بصورة غير شرعية الى قبرص هرباً من الأوضاع المأساوية التي يعيشونها، حيث سارعت القوات البحرية في الجيش اللبناني الى إنقاذهم، فعثرت على ثلاثة أشخاص، بينما فقد أثر خمسة آخرين، وقد ظن الجيش أنهم تمكنوا من الهرب أو السباحة باتجاهات أخرى خوفا من الوقوع في قبضته، لكن الجثة التي عثر عليها يوم الجمعة الفائت عند شاطئ الصفرا أعادت خلط الأوراق، خصوصاً أن الغريق كان يرتدي سترة إنقاذ بحرية وبنطلون جينز، ما يشير الى إمكانية أن يكون أحد ركاب المركب، وقد توفي غرقاً بعدما عجز عن إنقاذ نفسه، ليبقى مصير أربعة أشخاص مجهولاً وهم ربما يكونون قد وصلوا بسلام الى الشاطئ وغادروا الى جهة مجهولة أما أنهم تحولوا الى جثث عائمة على سطح البحر بانتظار أن تدفعهم الأمواج الى الشاطئ.

لا يمكن القول إن مافيات الهجرة غير الشرعية التي تتاجر بالبشر وتسطو على أموالهم ثم تتركهم فريسة لأمواج البحر، قد توقفت عن العمل أو تم وضع حد لها من قبل أجهزة الدولة، بل إن هذه المافيات تعمل بشكل متقطع وتستغل الظروف السيئة للنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين وكذلك المواطنين اللبنانيين الذين يعانون الأمرين جراء الفقر والبطالة وندرة فرص العمل، وتسعى بشتى الوسائل الى إغرائهم وترغيبهم بالحياة الكريمة والعمل المنتج في الدول الأوروبية فضلاً عن إقناعهم بسهولة الوصول الى هذه الدول عبر البحر وضمن مراكب كبيرة وآمنة.

تشير المعلومات الى أن كلفة الهجرة غير الشرعية عبر البحر تقدر بين ثلاثة وخمسة آلاف دولار للشخص الواحد، وأن الدفع يتم قبل صعود أي شخص الى المراكب التي تنطلق من أماكن غير مأهولة أو شبه مهجورة لتكون بعيدة عن أعين الأجهزة الأمنية، لتبدأ بعد ذلك رحلات الموت في مراكب مكتظة غير مجهزة للسفر الى أماكن بعيدة، ولا تتوفر فيها شروط السلامة، ما يجعلها في عين الخطر، حيث سجلت مئات حالات غرق المراكب ووفاة من فيها، كما سجلت العديد من الحالات التي تم القبض فيها على هذه المراكب وتوقيف من فيها والتحقيق معهم للوصول الى المافيات التي تتاجر بأرواح الناس في سبيل الحصول على المال.

وتضيف المعلومات: إن كثيراً من هذه المافيات تعتمد النصب والاحتيال في تعاطيها مع الراغبين بالهجرة حيث أن كثيراً من العاملين ضمنها، يتفقون مع عدد من الأشخاص ويحصلون على الأموال منهم، ثم يقومون بتسريب معلومات الى الأجهزة الأمنية عبر إتصالات تبقى مجهولة المصدر عن مكان وزمان إنطلاق الرحلة فيكون مصير المهاجرين التوقيف بعد أن يكونوا خسروا كل مدخراتهم التي تذهب الى جيوب تلك المافيات ما يضاعف من معاناتهم ومآسيهم.

لا شك في أن عمليات الإتجار بالبشر ومحاولات تهربيهم عبر البحر الى الدول الأوروبية، قد تراجعت كثيراً، حيث شهد لبنان قبل سنوات العديد من الرحلات التي نجح بعضها في الوصول الى قبرص أو تركيا أو إيطاليا، في حين كان مصير البعض الآخر الغرق والموت، ما دفع الأجهزة الأمنية الى إعلان ما يشبه حالة طوارئ لكبح جماح هذه المافيات، حيث تمكنت من توقيف العديد من المشتبه بهم وإحالتهم الى المحاكمة، لكن الأمر لم يتوقف بشكل كامل، خصوصاً أن الوضع الاقتصادي في لبنان يزداد سوءا يوما بعد يوم ما يدفع العديد من الشبان الى التفكير بالهجرة هرباً من معاناتهم، فتجد مافيات الإتجار بالبشر ضالتها فيهم، وتعمل على استغلالهم وسرقة أموالهم مقابل رميهم في البحر أو في المجهول.

تشير مصادر أمنية مطلعة الى أن أعين الأجهزة الأمنية الساهرة وعمليات الرصد والمتابعة التي تقوم بها قد ساهمت في الحد كثيراً من عمليات الاتجار في البشر، وفي تعطيل العديد من الرحلات البحرية المحكوم عليها بالفشل والغرق بشكل مسبق، لافتة الانتباه الى أن الأمر لا يخلو من بعض المحاولات التي تعتمد على النصب والاحتيال، ومن سعي بعض المافيات الى استغلال حاجات الناس من جنسيات مختلفة، مؤكدة أن أكثر هذه المحاولات تبوء بالفشل وينكشف أمرها ويقع أصحابها في القبضة الأمنية.

محرر الشؤون الطرابلسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *