أيها القضاة المعتكفون: ماذا عن الفساد والمحسوبيات؟

اعتكف أكثر من 250 قاضياً من قضاة لبنان البالغ عددهم 550 قاضياً في الأسبوع الماضي احتجاجاً على ما قد يتضمنه مشروع الموازنة من تخفيض لتعويضاتهم ورواتبهم ومكتسباتهم المالية، لاسيما لجهة خفض 10 في المئة من مساهمة الخزينة في صندوق تقاعد القضاة المقدّر بسبعة ملايين ليرة وتحويل 30 بالمئة من رسوم غرامات السير إلى وزارة المال بدل تحويلها إلى صندوق التعاضد، وتوقفوا عن العمل في قصور العدل في بيروت والممناطق في خطوة أثارت استياء الناس الذين يشكون أصلاً من الواقع القضائي المترهل، حيث ان الدعاوى تبقى سنوات في الأدراج ليتم البت بها، لا بل يكون صاحب أي دعوى ما قد مات قبل ان يرى مصير دعوته المقدمة، علماً بأن القضاة كحال أساتذة الجامعة اللبنانية استفادوا لوحدهم من رفع سلّم الرواتب قبل إقرار سلسلة الرتب والرواتب عام 2017 لا بل هم يكررون إضرابهم المفتوح يوم أقرت هذه السلسلة ولم تعجبهم النسب التي لحقت بمعاشاتهم بعدما توقفوا عن مزاولة عملهم وعلّقوا جلسات التحقيق والمحاكمات والمراجعات في جميع المحاكم والدوائر القضائية اللبنانية، لينضم إليهم أيضاً قضاة المحاكم الشرعية، وها هم اليوم ينتفضون مجدداً تحسباً من المس بمعاشاتهم، في وقت وضع القضاء تحت المجهر خلال حملة مكافحة الفساد التي طاولت الجسم القضائي وأوقف قضاة عن العمل بإنتظار نتائج التحقيق معهم إضافة الى مساعدين قضائيين.

وفيما يقول القضاة ان القضاء هو السلطة الثالثة وان الدستور نص على استقلالية السلطات وعدم خضوع إحداها للأخرى وبالتالي لا بد ان يكون القضاء مستقلاً وان يكون القاضي مكتفياً معيشيا هو وعائلته، حيث لا يجوز ان يذل أو ان يكون مجرد موظف وإلا سيجنح وسيمعن في الفساد، ويرون ان هناك لامبالاة حكومية تجاههم، معتبرين ان إضرابهم تحذيري ردّاً على توجّه الحكومة الى اقتطاع جزء من حقوقهم ومكتسباتهم في مشروع الموازنة، وان الاعتكاف هو نتيجة طبيعية لمشاريع السلطة السياسية في الاعتداء عليهم، متسائلين: هلّ قدّرت حكومة مكافحة الفساد الهدر المتأتي من توقف القضاة عن العمل عبر الأموال المفترض أن تدخل الى الخزينة جراء التسويات ودفع الغرامات في دوائر التنفيذ، وهذا الأمر لا يحصل حالياً بسبب قرار الاعتكاف؟.

فالقضاء لم يمارس استقلاليته والتشكيلات والمناقلات رهن أهل السياسة لا بل الاحكام وفق المزاج السياسي والاستنسابية، والفساد يعتري الجسم القضائي وهو أصلاً الباب الأول لمكافحة الفساد، وليس هذا معناه ان القضاء فاسد بل يوجد قاض نزيه وقاض فاسد، والتفتيش القضائي يؤكد ان هناك قضاة تلقوا رشاوى في دعاوى نظروا فيها وأصدروا أحكامًا في شأنها، وغلة رشاوى إدارة السير تكفي وتزيد، وكذلك ملف الدوائر العقارية والعمولة التي تدفع والرشوة حدث ولا حرج، لكن رغم كل هذا فالقضاة مقصّرون في إصدار الأحكام، وأكبر دليل ان عدد الموقوفين يصل الى 75 في المئة من المسجونين وهم دون محاكمة، وهذا ظلم يتعارض مع معنى العدالة!

“البيان”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *