هذه طرابلس… وهذه رجالاتها

أحمد ساري

هذه المدينة الجميلة طرابلس الفيحاء المزنرة بالبساتين وتفوح من أرجائها روائح زهر الليمون، درة بين المدن بموقعها على ساحل البحر في السهل المنبسط المستند الى جبال لبنان الشمالي التي يكللها الثلج ويزين قممها غابات الأرز، هذه المدينة الرائعة بموقعها وتاريخها ورجالها الطيبين الممتلئين نشاطاً وحيوية كانت مهوى أفئدة المواطنين في ربوع سوريا الطبيعية، فأبناء الساحل السوري جميعاً وحمص وحماه وأيضاً حلب في كثير من الأحيان كانوا يفضلون التبضع من مدينة طرابلس، وكان مرفأها هو المرفأ الأهم على ساحل البحر الأبيض المتوسط الذي يستورد ويصدر من خلاله تجار المنطقة منتوجاتهم وتجارتهم، فازدهرت أسواقها ونشطت أعمالها وأصبحت عقدة الوصل بين جميع تجار المنطقة ولم يبقَ فيها عاطل عن العمل.

وبدأت الحرب العالمية الأولى وتغيرت خريطة المنطقة وأصبحت طرابلس تابعة لدولة لبنان، وحصلت القطيعة بين لبنان وسوريا، واكتفى كل قطر بإمكانياته الذاتية، وتعطلت التجارة بين لبنان وسوريا وأصبح على الحدود بين البلدين مراكز للجمرك لم يعتد عليها الناس، فانكمشت التجارة وتوقفت الأعمال وأصبحت المدينة في حالة من الضيق تطلب العون من الله.

آل غندور الكرام الذين يستحقون منا كل تكريم كانوا رجالاً والرجال قليل. فلقد عقد الأخوة السادة: رضوان وناظم وفاضل وواصف غندور اجتماعاً للنظر فيما آلت إليه أحوال البلد. فكان القرار أنه لا بد من عمل شيء ينقذ المدينة والناس من هذه الحالة التي وصلت إليها ويشغل هذه الأيدي العاطلة عن العمل. وبدأ دولاب العمل بالدوران تدفعه الأيدي المخلصة. فأنشأوا معملاً لتكرير السكر في منطقة البحصاص ثم معملاً للخشب، ثم معملاً للحديد، ثم معملاً لتكرير الزيت، واستوردوا أصناف الخشب للبناء والصناعة، وأنشأوا مشغلاً لصناعة الصناديق الخشبية لتوضيب الخضار والفواكه من أجل التسفير الى البلاد العربية.

لقد استوعبت هذه المصانع الآلاف العديدة من الأيدي العاملة…

الى أن بدأت الأحداث في لبنان وعمت الفوضى واضطرت هذه المصانع الى التوقف وتسريح العمال، وعدنا الى نقطة الصفر.

الآن.. نحن بحاجة الى أمثال هؤلاء الذين تركونا وغادروا الحياة، ونحن بأمس الحاجة إليهم، إنهم رجال شجعان أقدموا وعملوا فكانوا الشجرة المثمرة التي نال منها جميع أبناء المدينة كل بحسب نشاطه وكفاءته. وعسى ان يعوضنا الله بأمثالهم من أبناء هذه المدينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *