مشروع الإشارات الضوئية ليس عصا سحرية

في الماضي، أقدمت بلدية طرابلس على تركيب إشارات للسير قيل في وقتها إنها هبة من إحدى الدول الخليجية، ليتضح بعد فترة على أنها كانت موضوعة في بلد خليجي تمّ الاستغناء عنها لعدم جدواها، ولأن هذه الدولة الخليجية استحدثت نظام إشارات متطور يواكب العصر، وصلت تلك الإشارات “الخردة” الى بلدية طرابلس على أنها هبة، وتم تركيبُها في الشوارع وحصل حول هذا الحدث “طنّة ورنّة”. في وقتها، فاقت كلفة تركيب تلك الإشارات الخردة ثمن نظام إشارات سير جديد وحديث. ومازلنا نرى تلك الإشارات التي زينت البلدية بها شوارع المدينة والتي توقفت عن العمل بعد أن استُخدمت لمرات قليلة. وقد تأثرت تلك الإشارات بعامل الحرارة وذاب قسم كبير منها نتيجة استخدام نظام اللمبات غير المناسب لها. فانطفأت الإشارات وبقيت عواميدُها واقفة كشاهد “حي- ميت” على إهدار المال العام.

وبعد أن تفاقمت أزمة السير في طرابلس، تعالت الصرخات المطالِبة بحل أزمة السير في مدينة طرابلس، وكانت من بين ما طرح من حلول إعتماد إشارات ضوئية في شوارع المدينة. وبعد أن اشتدت أزمة السير نتيجة عوامل عديدة، ومنها الحفريات الدائمة في طرابلس، قدمت بلدية طرابلس منذ فترة مشروع وضع 11 إشارة سير على تقاطعات أساسية في المدينة. فمن وجهة نظر بلدية طرابلس أن تلك الإشارات ستسهم في حل أزمة السير الخانقة في المدينة. إن كلفة هذا المشروع الجديد (11 إشارة) يصل الى 3 مليار و300 مليون ليرة لبنانية ممول من بلدية طرابلس. وستوزَّع تلك الإشارات على تقاطعات تشهد إزدحاماً شديداً في شوارع المدينة الرئيسية. لكن يبقى هذا المشروع غير مجدٍ، في نظر الخبراء، في حل مشكلة أزمة السير في المدينة إلا إذا واكبته تدابير أخرى رئيسية ومنها: أولاً، إعادة تأهيل مشروع أرصفة المدينة لتفعيل شبكة المشاة فيها والذي بدأت البلدية العمل فيه منذ أكثر من عشرين عاماً وتوقف بسبب ما شابه من عمليات سرقة وفساد، ولم يحاول أي أحد إحياء هذا المشروع مجدداً. ثانياً، افتقار المدينة الى مواقف عامة تقلل من عدد السيارات المركونة في الشوارع الحيوية والرئيسية والفرعية. مشروع بارك ميتر الذي حُدِّث مؤخراً يعتبر خطوة جيدة. لكن تبقى مافيا valet parking  هي أمّ المشكلات خاصة في منطقة الضم والفرز أي شارع 32، حيث عمدت البلدية مؤخراً الى استئجار أرض كبيرة تمّ تزفيتُها وإعدادها لتصبح موقفاً عاماً لزوار المقاهي في تلك النقطة مقابل بدل مدروس جداً. لم يلتزم بها أحد وبقيت مافيات Valet parking تسرح وتمرح وتفرض الخوة على صاحب المطعم والزبون وتتقاضى بدل ركن السيارات وتقوم بمنع الناس من صف سياراتها بمنطق القوة والإستباحة. ثالثاً، مشكلة النقل العام ومواقف التاكسيات العشوائية في الشوارع خاصة في مقاطع حيوية مثل المئتين، عزمي والتل وغيرها. قدم بنك الإستثمار الأوروبي مليون يورو لإعداد دراسة حول النقل العام في طرابلس ولُزِّمت هذه الدراسة ونحن في انتظار نتائجها. ويبقى السؤال: هل ستركن هذه الدراسة الجديدة الى جانب “أخواتها” السابقات؟. أما رابعاً، فهي إشارات السير وتحسين وضع شوارع المدينة. ويسجَّل لبلدية طرابلس في هذا الموضوع الفشل الكامل في إدارة هذا الملف. إن السياسة المعتمدة من قبل البلدية تفتقر الى رؤية شاملة ومتكاملة حول أي موضوع، فهي تعتمد سياسة “من خرّب ومن جرّب”. من هنا، يبقى مشروع توزيع 11 إشارة ضوئية على تقاطعات رئيسية في المدينة ليس العصا السحرية لحل أزمة السير ودونه تحديات أساسية ومن أبرزها ضبط الفوضى العارمة في شوارع المدينة من تعديات ومخالفات وصف ثانٍ، وركن السيارات على التقاطعات وفي الأماكن الممنوعة، وتحفيز المواطنين على احترام قانون السير وإعادة تأهيل “أخلاق” السائقين.

كارينا أبو نعيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *