قطار طرابلس – عكار: سكة الحديد والاقتصاد مجددًا؟

وسط تداعيات الرأي العام التي تناولت بين الهزالة والجد، مسألة رفع أجور موظفي سكك الحديد في لبنان، تغرّد مجدّداً، إنما خارج السرب، جمعية Train-Train في نضالها الموصول لإعادة إحياء سكك حديد طرابلس الذي يلفه تحديات جمة، مقابل واقع واعد وحقيقي مستند على البراهين العلمية التي يسعى رئيس الجمعية الخبير في التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات كارلوس نفاع إلى إبرازها، من خلال نشاطه المطرد ضمن فعاليات وندوات تتناول هذا المرفق الحيوي الذي ينضح بمبشّرات إنمائية واقتصادية، ويكتنز من الذاكرة الجماعية لأبناء طرابلس نوستالجيا تحيي وتحيّي زمن المدينة الجميل.

في نبذة تاريخية عن القطار في لبنان، يبرز نفاع أن المكاسب التي يدرها القطار أدركها سكان بيروت الذين جهدوا لإقناع السلطنة العثمانية بربط بيروت بالشام بواسطة سكة حديد، فجرى تدشين القطار من خلال شركة فرنسية في 3 آب عام 1895، مضيفًا “وكانت أول رحلة من بيروت الى الشام يوم ٤ آب ١٨٩٥و يعد هذا النهار يوماً تاريخياً، تعمل جمعية Train-Train على تكريسه كيوم عيد للقطار في لبنان. ونسعى مع النادي اللبناني لهواة الطوابع والعملات لإصدار طابع بريدي في ذكراى ١٢٥ لأول رحلة قطار في لبنان”.

هذا الخط الحديدي كفل ازدهار بيروت في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. كما ذكر المتحدث بالأثر الاقتصادي والاجتماعي للقطار في بيروت التي ساهم بتطويرها وبجبل لبنان الذي ازدهر بفضله. بالمقابل، تراجع دور طرابلس التي أدرك أهلها مغبّة أوضاعها ورفضوا أن يبقوا مكتوفي الأيدي إزاء تراجع دور مدينتهم.  تنادى حينئذ الطرابلسيون إلى الاكتتاب وجمعوا الأموال اللازمة لينشئوا خط طرابلس- حمص على نفقتهم الخاصة، وكان ذلك سنة 1912، حسب كارلوس نفاع. ولأسباب عسكرية، ربط البريطانيون فلسطين بطرابلس، خلال الحرب العالمية الثانية، ليكون للساحل اللبناني خطه بحلول العام 1942، الى أن توقف القطار حتى الحرب الأهلية، ليضحي لبنان منذ العام 1995 من دون سكك حديد تعمل.

قطارات مشلولةفرص ضائعة

وبينما تجتهد جميع دول العالم على إنعاش وتطوير شبكات خطوطها، يعيش لبنان ما وصفه نفاع بالـ”كبوة، لا بل يتراجع عن سابق تصور وتصميم”، مشيرًا الى عمل الصين مع أوروبا على خط حرير جديد يربطهما بالقطار مرورًا بالمنطقة. على ضوء هذا الواقع المقبل، سيعيش لبنان عزلة تنفيه خارج خط الحريري الاقتصادي العالمي الجديد إن لم يؤهل سككه الحديد. أما الكيان الإسرائيلي، فيبرز كارلوس نفاع سعيه لتسويق فكرة خط بطول ١٤٠٠ كلم من عُمان في الخليج إلى الأرض المحتلة، بينما حكومتنا خارج اللحظات التاريخية للمنطقة.

في السياق الطرابلسي، يضع رئيس Train Train سبابته على مزراب جديد من عدم التكافؤ والهدر الذي يشي به قطاع النقل في لبنان “إن الخرائط التنفيذية لخط طرابلس- عكار متوفرة، والأرض متوفرة وهي ملك الدولة، وجزء من الاعتمادات موجود ومحجوز بقيمة 20 مليون من أصل 60 مليون دولار أمريكي، وهي الكلفة الإجمالية لهذا الخط. لم يُعنَ السياسيون بتأمين المبلغ المتبقي بإجمالي 40 مليون جولار، بينما نجدهم يعملون لتعبيد طريق جديد لعكار بقيمة 100 مليون دولار!”، مضيفًا أن هذا الخط يمثل جزءًا من الخطة الوطنية للقطار في لبنان، كان الرئيس رفيق الحريري قد وضع حجر الأساس له في العام 2002، وكانت الدولة اللبنانية قد اشترت السكك اللازمة منذ 16 عامًا، وهي ما زالت محفوظة في طرابلس. كل هذه العوامل تجعل من هذا الخط الأسهل تنفيذًا.

خط حديد طرابلس: مال كثير ووقت قليل

خلصت جمعية Train-Train التي تطالب بهذا الخط الحديدي الى أن هذا الأخير سيربط مرفأ طرابلس بدير عمار ومن ثم بحنين، بيت شمرة، تل عباس، مطار القليعات والعبودية، ليشكل رافعة اقتصادية واجتماعية بالغة الأهمية لمحافظة عكار وللشمال “إن وجود قطار في مرفأ طرابلس سيساهم في رفع القدرة الاستيعاب للحالية لميناء طرابلس من ٢٠٠ ألف حاوية في السنة إلى مليون. لنتصور القفزة الاقتصادية النوعية لطرابلس!” يقول نفاع، ذاهبًا في تصوره نحو زيادة مطار القليعات على القطار، يهيئان معًا تطورًا إقتصاديًا هائلًا لطرابلس وعكار. الى هذا التصور الناهض تضيف الجمعية خلق منطقة تجارة إلكترونية حرة في العبودية، تحقق فرادة نوعية لمنطقة طرابلس-عكار على صعيد كل الشرق الأدنى، مع ما تحمله من فرص عمل وأرباح اقتصادية ضخمة.

على صعيد الأثر اليومي، يقول رئيس Train-Train إن وضع القطار الحديث على السكة سيتيح تقليص المسافات وكسب الوقت المهدور حالياً وسيسمح لكثير من أبناء الشمال بالعمل في طرابلس أو بيروت فيما يقطنون قراهم، كما سيشجع اللبنانيين والعرب والأجانب على الاستثمار في شمال لبنان وزيارته.

وتقرن Train-Train إنتاجها العلمي والتوثيقي بتحركات ميدانية، من بينها ورشة الإسكوا حول أهمية النقل العام وسلامة السير، وحوار خاضه رئيس الجمعية في المعهد الشامي في طرابلس حول واقع قطاع النقل في لبنان ودوره في النهضة الاقتصادية والاجتماعية، ومقاربة ملف سكك الحديد في برنامج “ملفك عندي” على إذاعة صوت لبنان، ومحاضرة مع طلاب المعهد الانطوني بعبدا، سبقها خلال نيسان الماضي محاضرة في مركز الصفدي الثقافي حول واقع وتحديات سكك الحديد. ولعل أبرز الأنشطة التي تحث على الضغط وحشد المناصرين كانت رحلة من مار مخايل بيروت وصولاً الى رياق، على طول سكة الحديد دمشق-بيروت التاريخية التي جمعت أكثر من 120 مشاركًا، كان من بينهم ميكانيكي الصيانة السابق السيد الياس أبو عتمة البالغ من العمر 96 سنة، يسترجع ذكرياته في هذا القطار الذي جمعه بوجوه عالمية بارزة أحدها الجنرال شارل ديغول.

جودي الاسمر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *