طرابلس تحترق… فمن يطفئ نار غضبها؟

يقول المثل: من كانت يده في النار ليس كمن يده في الماء. معنى هذا الكلام ان أهل طرابلس كلما طافوا في أحياء العاصمة بيروت، وشاهدوا ما أنفقت فيها الدولة من الأموال الطائلة لتجميل صورتها وتنمية مرافقها وتعزيز اقتصادها، وكلما زاروا الشوف وعاليه والمتن وكسروان وغيرها من المناطق، يتصبب من وجوههم العرق البارد، ويلعنون الساعة التي انتسبوا فيها الى وطن عاق، والى بلد تخنقهم فيه الحكومات باستمرار، وتزهق أرواحهم الى ان باتوا في الرمق الأخير.

نحن في طرابلس يدنا في النار، وقلبنا في النار، وجسدنا كله في النار، ونلتفت يمنة ويسرة فلا نجد إطفائياً يوجه خراطيم المياه لإطفاء هذه النار، وإنما نجد كثيرين يوجهون إلينا خراطيم المياه لكي نزداد غرقاً واختناقاً.

ان طرابلس تغلي غلياناً من حرقتها وعذاباتها، وهي تشعر بالغبن الشديد، والظلم الفادح والإستهتار العميق، والتخلي القاسي، فهل يدرك المسؤولون الآن ان السيل قد بلغ الزبى، وان القلوب قد بلغت الحناجر، وأن للصبر حدوداً يلوح من خلفها بركان مدمّر، ولا يعلم إلا الله متى ينفجر هذا البركان، ويسقط الهيكل فوق رؤوس الجميع.

إن طرابلس بحاجة الى الكثير الكثير لكي تنهض من كبوتها، وفي الحقيقة فإنه لا يمكننا أن نعتمد على الدولة وحدها لكي نتجاوز مأساتنا التي نزداد كل يوم غرقاً فيها. فليتحرك المجتمع المدني الذي مازال غافياً ومستسلماً للأحلام، وليتحمل مسؤولياته في إنهاض المدينة. فالمجتمع المدني هو بداية الحل، بل هو الحل نفسه شرط أن يحزم أمره ويتحمل مسؤولياته بشجاعة وإخلاص.

المؤسف حقاً أن نظل في معظمنا سلبيين نتسابق ليلاً ونهاراً على لعن الظلام دون أن نضيء شمعة واحدة. المجموعة المخلصة فينا هي التي تكتفي بأن تنعى تقصير الدولة وإهمالها في بيانات لا تساوي قيمة الحبرالذي تكتب به. وفي كل صباح تعيد ترديد اللازمة إياها التي حفظها الناس عن ظهر قلب: المرفأ- المعرض- المطار- المصفاة- محطة التسفير… الخ ثم تختم الفرمان بسبّ السلطان، وبعد ذلك ينقلب كل واحد الى أهله مسرورا.

هذا التعاطي السلبي في طرابلس يعبّر عن أزمة المجتمع المدني الذي لا يعجبه العجب، وهو محق في ذلك، ولكن عليه أن يفعل شيئاً صالحاً ونافعاً لنفسه ولأهله بدل أن “يسبّ الاستعمار”.

إن المجتمع الطرابلسي يحتاج الى الكثير الكثير، باستثناء أمر واحد لا يحتاج إليه أبداً هو كثرة الكلام في الهواء، وطرح الشعارات العامة، والحكي بدل العمل.

والسؤال: ماذا ينقص المجتمع المدني أن يتحمل مسؤولياته، وأن يتولى سدّ الثغرات وتفادي العيوب وتجنب التقصير والإهمال؟

المجتمع المدني في طرابلس أمام امتحان الجدارة والإخلاص، فهل ينجح يوماً ما، علّه يكون قريباً، في إصلاح الأحوال وإنقاذنا من الأهوال؟

                                                                                            أمل زيد حمزة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *