والذكريات صدى السنين الحاكي

كتب خلدون نجا

عنوان يحمل في طياته هذيان إنسان وأنا متأكد أنني لست ممن يحمل هذه الصفة فقد اخترته وأنا بكامل عقلي وقناعتي.

عاشت الفيحاء عبر تاريخها عبق الايمان فأطلها رمضان بالرحمة والهدى والخير والبركات واشاع في جنباتها سلاماً وفي أعماق أهلها سكينة ووفاقاً.

طرابلس المحروسة “برضى من رب العالمين بالصلاة والزكاة ومجاهدة الصيام في الأيام المفروضات تسكيناً لأطرافهم وتخشيعاً لأبصارهم وتذليلاً لنفوسهم وإذهاباً للخيلاء عنهم لما في ذلك من تعفير عناق الوجوه بالتراب تواضعاً والتصاق كوائم الجوارح بالأرض تصاغراً، ولحوق البطون بالمنون من الصيام تذللاً مع ما في الزكاة من صرف ثمرات الأرض، وغير ذلك الى أهل المسكنة والفقر (علي بن ابي طالب)

طرابلس المحروسة التي لطالما ازدادت شموخاً بمساجدها ومدارسها وبمجالس العلم والفقه فيها، ما زالت على عهدها عبر تاريخها المنير فهي لما تزل مدينة العلم والعلماء.

وأنا حتماً لا أود ان أسترسل في ميدان متروك لأهله ولو أنني متأكد ان لا رهبانية في الإسلام وأنا ممن يستمعون القول في مجال الدين فيتبعون أحسنه.

فالعنوان يشير الى غير هذا الحيّز المرافق لشهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، والى القارئ ما أريد إيصاله دون مواربة أو دون تبرج أو رياء.

درجت في السنوات الماضية، وفي شهر المكرمات، ان أتجول ليلاً في أحياء عرفت فيها عهود الصبا والشباب، فأذكر بالخير ذلك الزمن الجميل وأستعيد مشاهد أضحت من سمات رمضان، ولكم عدّت وقد ملأ أعماقي شعور قل ان يماثله آخر في غير هذا الشهر.

طرابلس في ذلك الزمن الجميل، حركة دائمة، نهار يحمل الخير وليل يحمل البركة ومدينة تعيش ايامها ثانية ثانية.

التراويح تروّح عن نفس الصائمين ومساجد يذكر فيها اسم الله بكرة وعشية وأسواق تزهو بأبهى أثوابها وطرقات تتزاحم فيها الأرجل تطلب الأرزاق، أطفال يتباهون أنهم صائمون وأهل تلمع أعينهم ببريق الحب عندما يسمعون ذلك.

مجالس الذكر تقام في أكثر من مدرسة وصوت المسحر يرن في آذان النائمين ويبعت الرضى في نفوس القائمين الساجدين العابدين.

وفوق هذا وذاك تدافع في عمل الخير يحمل كل معاني التواصل بين الأغنياء والفقراء، تدافع يبتغي الثواب والأجر،

ومشيت هذا العام، وإحدى ضفتي الفيحاء، عنيت بها باب التبانة صامتة مذهولة وقد انقضى زمن استحال عليّ دخولها، قذائف ومدافع رصاص وقنص، ضحايا أبرياء وغباء مستحكم أهم نتائجه ان الأخ يقتل أخاه والصديق يرمي صديقه في لعبة جهنمية من صنع الآخرين، والغريب ان رمضان لم يشكل شهراً محرماً على القتل والاستباحة ومع كل ذلك نحمد رب العالمين على استعادة الجميع وعيهم المفقود.

ومشيت مكرهاً نحو الضفة الأخرى ولو كنت في الماضي الجميل أمشي في أزقة وشوارع الضفتين، والضفة الأخرى هي الحدادين جبل النار حيث كان لرمضان أيام عزه وحيث كانت لهذه المحلة (جبل النار) نكهة خاصة، شوارع منارة، مقاهٍ على مد النظر، افران تقدم الكعك الرمضاني الشهير، محلات تنتظر الشهر الجميل بصبر جميل ونظافة هي من الإيمان.

واليوم عدت ومسحة من الحزن تعلو محياي وكآبة لا يعرفها الصائم إلا مكرهاً فقد وجدت المنطقة كلها في ثبات إلا بقعة شكلت واحة في هذه الصحراء القاحلة، وهذه البقعة هي منطقة ما يسمّى /قهوة موسى/ فهي الوحيدة التي تذّكر أننا في رمضان، اما ما عداها فكان نقيضها.

اليوم عدت وقد مررت بأحياء كثيرة كنت أرى ما فيها ما رأيت في شارع قهوة موسى، فالنجمة غابت وضاعت أنوارها، والتل مقفر مقفل إلا من بعض المحلات التي صبر أصحابها يعادل صبر أيوب، وشارع العجم كأنه في بلاد العجم وليس نقطة من طرابلس والأمر يصح وينسحب على كل حي وزقاق.

مشيت على غير هدى افتش عن رمضان لا الصلاة والصوم فقط بل رمضان الخير والبركة، رمضان التجارة والمال، رمضان الذي يقيل عثرة الكرام، رمضان نظافة القلب والبيت والشارع.

مشيت على غير هدى، أفتش عن رمضان وأنا غير مصدق أنني في الفيحاء حيث كنت أسير بصعوبة في باب التبانة وسوق القمح والزاهرية وجبل النار وكل عقبة وطلعة وذلك بسبب تزاحم الأرجل. 

صدقوني أني تعبت من التجوال الممل الذي يخلق لدّي وأنا في هذا العمر المتقدم ثورة داخلية وقودها دم فوّار على مدينة وضعت في العناية الفائقة، متروكة لمصيرها بعد ان تلهى أهلها بتمجيد السياسيين بدل رب العالمين.

صدقوني أنني اتخذت قراراً بأن أورث ما في داخلي لأولادي ولكل شاب وشابة من أهل بلدي حتى لو اعتبرني البعض مذهولاً أهذي!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *