لا “ربيع لبناني” طالما النظام الطائفي هو السائد… والتغيير مجرد حلم!

محرر الشؤون اللبنانية – “البيان”

يطرح السؤال عن سر عدم انتقال عدوى ما يسمى” الربيع العربي” الذي تحول الى صراع داخلي دام ومؤلم، الى لبنان رغم أنه أصاب معظم الدول العربية بما في ذلك سوريا الجارة الأقرب الى لبنان، أو على الأقل غياب الانتفاضات الشعبية المطالبة بالتغيير أللهم ما عدا التي تقتصر على التظاهرات والاعتصامات والإضرابات العمالية والطلابية وما شابه والتي تكون لفترة محدودة وبشعارات محددة، أو تلك التي تحمل الطابع السياسي وتتخذ ما يشبه الثورة الشعبية ضد الحكم كما حصل عام 1958 أو الانتفاضة كما حصل عام 1984. إذ يسجل غياب الرؤية المطلبية الواحدة والموحدة للشعب اللبناني أو تفكيره القيام بثورة أو انتفاضة شاملة ضد السلطة الحاكمة، ويطالب بالتغيير والحرية والديموقراطية والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، رغم ان الشعب اللبناني يرزح تحت ضائقة مالية واقتصادية غير مسبوقة ويعيش الأمرّين لتحصيل لقمة عيش أولاده وتأمين طبابتهم وتعليمهم وسكن شبابه الذي يريد الزواج وتربية أسرة، ورغم الغلاء الفاحش للخدمات من كهرباء ومياه ومواصلات وتوسل أهل السياسة للحصول على وظيفة للأبناء الذين تخرجوا من الجامعات ودفعوا الغالي والنفيس ليحملوا الشهادة الجامعية التي تؤهلهم لبناء مستقبلهم. 

والجواب بسيط ولا يحتاج لفك طلاسم، وهو ان العلة هي في نظامنا القائم على الطائفية منذ إعلان الاستقلال حتى اليوم والذي تعززت فيه المذهبية بعد اتفاق الطائف عام 1989، وتحولت ميليشيات الحرب الى أحزاب وتيارات سياسية هي في معظمها واجهة للطوائف والمذاهب، ما جعل الشعب اللبناني ينقسم على نفسه ولا يتوحد إلا نادراً في مقاربة المطالب السياسية والاقتصادية والمعيشية، حتى أنه يختلف في القضايا الوطنية والنظرة الى الصديق والعدو رغم ان هذا من المفترض ان يكون من المسلمات، لأنه عند الصراع مع العدو وتعرض الوطن لخطر خارجي لاسيما مع الكيان الإسرائيلي الذي يعتبر حسب وثيقة الوفاق الوطني التي أصبحت دستور البلاد عدو البلاد لم يتوان البعض عن التعاون مع هذا العدو في فترات سابقة، رغم ان هذه خيانة موصوفة يبررها البعض باللجوء الى هذا الخيار المر خوفاً من الشريك في الوطن، ولذلك برز سابقاً شعار “التعامل مع الشيطان”.

فالعلة هنا أولاً واخيراً، لأن الوطن في نظر أهل السلطة هو عبارة عن مزرعة يتقاسمون حصصها الطائفية والمذهبية والمناطقية في النيابة والوزارة والإدارة والاقتصاد والاجتماع والجامعة والمدرسة والأحوال الشخصية، حتى توزعت الجامعات التي من الممكن ان يكون دورها تنويرياً على الطوائف والمذاهب، وأصبح لكل طائفة أو مذهب جامعة ومدرسة ومعهد وما شابه، وأصبح اللبناني ينتمي الى طائفته ومذهبه أولاً وليس الى وطن بالتالي لا يشعر بالانتماء الوطني الجامع بل الوطن عبارة عن مجموعات  طائفية ومذهبية متناحرة لا يمكن ان تبني وطناً جامعاً وموحداً في الرأي والرؤية والموقف حول كل القضايا التي تهم كل أهله وناسه لدرجة يعتبر البعض ان التعرض لأي موقع في الدولة أو لشخص يشغل وظيفة سياسية هو تعرض واستهداف لطائفة ومذهب حتى لو كان هذا الشخص مذنباً أو مداناً بالوقائع ويطالب هذا البعض فوراً باعتماد معادلة “5 و5 مكرر”.

ولقد حاول المجتمع المدني منذ سنتين القيام ما يشبه الانتفاضة الشعبية على سوء الأحوال السياسية والاجتماعية والمالية، لكن هذه الخطوة أجهضت بتحرك مضاد من أحزاب وتيارات السلطة الحاكمة والممسكة بمفاصل البلد التي لا يمكن ان تتنازل بسهولة عن مكاسبها وحصاناتها، وبالتالي هذه المحاولات التغييرية لن يكتب لها النجاح مع غياب الأحزاب العلمانية والوطنية الفاعلة والعابرة للطوائف والمذاهب والمناطق التي كانت ناشطة في السابق، ولم تستطع خرق جدار النظام الطائفي  الصلب ليبقى التغيير حلماً يراود الغالبية الصامتة من اللبنانيين التي اكتوت بنار الممارسة الطائفية والفئوية وتعيش تحت كابوس ورحمة أمراء الطوائف والمذاهب على أمل ان يصحو هذا الشعب ويعرف ان التغيير يبدأ من الذات أولاً، خاصة وان أي تيار أو حزب متى شاء يجمع الأنصار في أي مناسبة ويتبارى بعددها، والتظاهرات الحزبية المليونية عام 2005 خير دليل. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *