التسريب الصوتي لمدقق فرنسي من “سيدر”: “لبنان مصاب بالسرطان”

رسالة تحذيرية للحكومة للقيام بالإصلاحات اللازمة

جرى تسريب صوتي مسجل لمدقّق في لجنة مؤتمر “سيدر”، بالنيابة عن صندوق النقد الدولي بالتزامن مع درس الحكومة لمشروع موازنة 2019، ينصح فيه المسؤولين اللبنانيين بأن يقوموا بإصلاحات وتعديلات بسيطة في المطار والمرافئ والتهرّب الضريبي وسواها، من الممكن أن تضيف ما يُقارب من 6 الى 8 مليارات دولار سنوياً بدلاً من أن يتوسّلوا الفرنسيين أن يعطوهم هذه الأموال في الوقت الذي كان فيه مجلس الوزراء يعقد جلسة لمناقشة مشروع الموازنة والاقتراحات الواردة ضمناً من أجل اعتماد سياسة التقشّف من تخفيضات المخصّصات والرواتب والإجراءات والإعفاءات الضريبية وما الى ذلك، رغم ان هذا التسجيل قديم العهد ويعود الى العام الماضي عندما انعقد “مؤتمر سيدر” في 6 نيسان العام الماضي في العاصمة الفرنسية باريس، كمحاولة لدعم الاقتصاد اللبناني وخصص ما يقارب الـ12 مليار دولار كهبات ومنح وقروض ميسرة  للبنان شرط ان يقوم بالإصلاحات اللازمة.

وهذا الخبير الأجنبي الذي لم يذكر أحد اسمه كان المدقّق الرسمي في مؤتمري “باريس 2” و”باريس 3″، وعلى علم تام بإطار العمل والشروط التي وُضعت لهذين المؤتمرين، أبدى موقفه بكلّ صراحة أمام اللجنة أو الوفد اللبناني عندما طُلب منه منح الثقة للبنان لكي يتمكّن من الحصول على مساعدات وهبات مؤتمر “سيدر” بعد تحقيق الإصلاحات المطلوبة، فقال: أجد أنّه من الصعب جدّاً اليوم أن نمنحكم الثقة العمياء التي منحناكم إيّاها في مؤتمرات باريس 1 و2 و3، ملمحاً الى أنّ حقيقة تسمية المؤتمر بـ”سيدر” بدلاً من “باريس 4″، هي مبادرة تسويفية للقول بأنّنا فشلنا في المؤتمرات الثلاثة السابقة، وها نحن نفعل اليوم شيئاً جديداً، متسائلاً: لماذا قامت الحكومة الفرنسية، للمرّة الأولى في التاريخ الفرنسي بإنشاء منصّة تبرّعات دولية قبل بضعة أسابيع من انتخابات (نيابية) مرتقبة، دعماً للبنان، وهذا الأمر لم يحصل من قبل، فهل هناك ضرورة سياسية وراء ذلك، وهل هذا مصدر رزق غير مباشر للحكومة القائمة حالياً؟، وقال انه وصندوق النقد الدولي قد زوّدوا الحكومة اللبنانية منذ العام 1999 وحتى اليوم، بتقارير سنوية كاملة ضمّنوها توصيات دقيقة للإصلاحات الإدارية التي يجب أن تُنفّذ وتُطبّق في الدولة اللبنانية، إن كان المسؤولون اللبنانيون يريدون فعلاً تقليص الدين العام مقارنة بالدول الأخرى، واصفاً الوضع في لبنان بأنّه مرض سرطاني وهو ناتج عن تقصير الحكومة، الأمر الذي أدّى الى فساد غير مقرون وغير مسبوق، مشيراً الى أنّه عمل في دول عدّة، وفي أكثر من 25 دولة أفريقية، ولحظ أنّ الدولة الوحيدة التي تُقارب لبنان فيما يحصل، كانت دولة بتسوانا، والى حدّ أقلّ زمبابوي.

واستغرب هذا المدقق كيف أنّ بلداً مثل لبنان، لديه قدرة فكرية وثقافية يجعل الخدمات المهّمة، مثل الكهرباء ومعالجة التلوّث والتعليم، لا تحصل فيه، من دون أن يكون هناك سبب وجيه لذلك، معتبراً ان المطار، والمرافئ والتهرّب الضريبي، كلّها أمور يُمكنها من خلال إصلاحات وتعديلات بسيطة، أو حتى من خلال تطبيق القوانين الموجودة أساساً في البلاد، أن تُضيف الى الاقتصاد اللبناني ما يُقارب من 6 الى 8 مليارات دولار سنوياً، وهذا رقم ممتاز، ناصحاً المسؤولين اللبنانيين قائلاً: بدلاً من أن تتوسّلوا الفرنسيين أن يعطوكم هذه الأموال، لماذا لا يتمّ الإصلاح من الداخل؟، منتقداً الحكومة اللبنانية صراحة بالقول إنّ لبنان الذي يملك اقتصاد دولة بحجم مدينة في ميامي لديه 30 وزيراً، فيما روسيا التي لديها 13 توقيتاً لديها 9 وزراء فقط، مشيراً أنّه ليس من الصواب أن يطلب اللبنانيون المساعدة من الغير، إنّما عليهم أن يسألوا أنفسهم ما الذي يُمكننا أن نفعله لنساعد أنفسنا؟.

ووضع المدقّق الغربي إصبعه على المشكلة الفعلية في لبنان، عندما أوضح بأنّ معدل الدين العام الحالي بدون اقتطاع نسبة التوريث، سيبقي أولاد أحفادكم يُسدّدون هذا الدين الى الأبد، وهذا إن افترضنا أنّ معدّل النمو سيزداد بنسبة 8 الى 10 في المئة سنوياً، وهو طبعاً أمر مستحيل، وبالتالي فالفساد هو المشكلة الرئيسية التي يبدو وكأنّنا نتغاضى عنها دائماً، والمجتمع الدولي لطالما تعامل مع لبنان كأنّه ذلك المدمن على الكحول الذي يتوعّد أنّه سيتغيّر كلّ يوم، ويُقلع عن هذه العادة السيئة ولكن دون جدوى.

والملاحظ ان تسريب هذا التسجيل حالياً هو لتمرير رسالة تحذيرية الى الحكومة المنكبة على درس مشروع الموازنة من ان النموذج اليوناني سيكون مصير لبنان اذا لم يطبق الإصلاحات التي تعهدت الحكومة بها أمام المؤتمر بدءاً من خفض العجز في الموازنة والقيام بإصلاحات داخلية ومشاريع اقتصادية اجتماعية وأهمها مكافحة الفساد الإداري والمالي، تعزيز الحوكمة والمساءلة لا سيما في إدارة المالية العامة، تحديث قواعد استدراج العروض، إصلاح الجمارك، تحسين إدارة الاستثمار العام، دعم جهود مكافحة تبييض الأموال واتخاذ التدابير الرامية إلى مكافحة تمويل الإرهاب وفقاً للمعايير الدولية، ومعالجة أزمات الكهرباء والمياه وبدء اعتماد اللامركزية الإدارية بخصوص النفايات المنزلية والصلبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *