لا إصلاح من دون إصلاحيين ولا محاربة للفساد على يد فاسدين

كتب المحرر السياسي

قبل أيام انتحر رئيس البيرو السابق الان غارسيا بسبب استدعائه لسماعه في قضية فساد. وحصل الكثير في دول العالم من مثل هذه الحادثة، فكان وزير يستقيل بسبب هفوة بسيطة، ووزيرة تعتذر لاستعمالها المال العام في سداد ملء خزان سيارتها من الوقود… 

فقط في لبنان يتولى مشتبه بسلوكهم وضع الموازنات ومناقشتها وإبداء الرأي في بنودها والإضراب ضدها. وباسم الموازنة تخاض حروب تصفيات لا علاقة لها بالموازنة أو بالإصلاح ولا بالتغيير. طبعاً البلاد تحتاج الى إصلاح لكن الإصلاح لا ينجز إلا على يد إصلاحيين يشهد لهم بنظافة الكف والكفاءة، وليس على يد من يستميتون في تكديس ثرواتهم الخاصة، وهم الذين أمضوا سنوات في الحكم يتلاعبون بالوظيفة العامة ويستقدمون الأزلام إليها، ويعقدون الصفقات على حساب الدولة المركزية فيطيحون مؤسساتها لتصبح مؤسسة الكهرباء الرائدة في الستينات، والتي كانت تبني منازل لموظفيها، هيكلاً عظمياً مترهلاً، حلت محله شبكات الاستفادة الخاصة المحسوبة على الزعامات وقوى الأمر الواقع. ممثلة بأصحاب المولدات ومستوردي المازوت الاحتكاريين، وصولاً الى فضيحة العصر وسمسرات البواخر وتتريك التيار.

الإصلاح لا ينتظر موازنة، فهي تحصيل حاصل ونتيجة. إلا ان الأمل بجعلها مدخلاً وإعلان نوايا طيبة لم يفارق اللبنانيين. ورغم ذلك لا يبدو في الأفق ما يدعم هذه الطموحات. فالتقشف المطلوب فيها يجب ان يربط بخطة نهوض شاملة، وتلك الخطة يتحدث عنها تقرير ماكنزي الذي دفع ثمنه وتم نسيانه، وتتحدث عنها تقارير المؤسسات الدولية التي يتم تطويعها لمصلحة هذا وذاك ممن يمسكون ببقايا الموارد الهشة. وبديهي ان يطال التقشف المصاريف الكبرى من مداخيل وإعفاءات وإيجارات أبنية وجمعيات وهمية، وان يتضمن سياسات ضريبية عادلة وليس شن المعارك الدونكيشوتية، أبرزها ضد المصارف وإيداعاتها العائدة الى شريحة المواطنين البسطاء… غير ان النقاش في هذه المسائل يذهب الى أمكنة أخرى، ومثلما انتقد الذين ذهبوا بطائراتهم الخاصة لطلب الدعم من مؤتمر سيدر، يلعب رموز حرصوا على صرف ملايين الدولارات في أعراسهم وحفلاتهم دور رأس الحربة في الانقضاض على تدابير مقترحة للحدمن الإيرادات غير المشروعة لهؤلاء وأمثالهم.

لقد كبرت المشكلة وتضخمت منذ ان جرى تطويع الدولة في خدمة ثلة من زعامات الأمر الواقع، الطائفية والمذهبية، وعلى يد هؤلاء نسف الدستور وأفرغت دولة القانون من مضمونها وشرعت الدولة ضمن الدولة وكرّست سياسة الزبائنية والاستتباع. وهكذا حل الجوع شيئاً فشيئاً وهاجرت نخبة شباب البلد، ولن يتغير شيء على يد هذه الثلة، فهي لا ترى في أي اقتراح إلا ما يمكن ان يحسّن مواقعها ، ومن أجل ذلك تمسك بمفاتيح البلاد جميعها، فإذا تحركت نقابة من هنا يتم تحريك اخرى من هناك، هذه لمصلحة ركن في دولة الفساد وتلك لمصلحة شريكه في شركة الدولة للاستثمار الخاص. فلندقق ونتابع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *