الوضع المالي في لبنان سيئ ودقيق.. ومستوى العجز في الموازنة بأعلى مستوياته

لن نرى أي دعم من المؤسسات الدولية إذا لم نبدأ الإصلاحات خاصة في قطاع الكهرباء

حاورته: كارينا أبو نعيم

منذ أشهر ونحن نعيش هواجس الوضع المالي وتدهور الوضع الاقتصادي والخوف المحيط بموازنة الدولة وعدم الوفرة في المالية وانهيار الوضع المعيشي والأمن الإقتصادي للبنانيين.

وهذه المرة، لن يسلم لبنان إذا لم تبادر السلطة السياسية الى تنفيذ البنود التي فرضتها الجهات المانحة، وعلى رأس تلك البنود مكافحة الفساد في كل مفاصل الدولة اللبنانية ووقف الهدر وإعلان حالة تقشف عالية المستوى. 

استقبلت “البيان” الأستاذ موريس متى، رئيس قسم الاقتصاد في جريدة “النهار” ومعد ومقدم النشرة الاقتصادية على قناة MTV، في حوار اقتصادي يفند الوضع المالي للدولة اللبنانية بشكل واضح ويضع النقاط على حروف الكارثة الإقتصادية والمالية التي تنتظرنا في حال لم تتحرك السلطة السياسية الممسكة في زمام الدولة وتطلق عجلة الإصلاحات الحقيقية والواقعية.

وضعنا المالي سيّئ ودقيق

طرحنا مع الأستاذ موريس متى نقاطاً عديدة تمحورت حول وضعنا المالي ومالية الدولة والعجز الحاصل بها وبنود مؤتمر سيدر وحول أمور اقتصادية بشكل عام. 

في جوابه حول كيف يقيّم وضعنا المالي والإقتصادي حالياً، يجيب الأستاذ موريس متى قائلاً: “حين نريد أن نقيّم الوضع في لبنان علينا أن نميز بين الوضع النقدي الإقتصادي وبين الوضع المالي. إن الوضع النقدي يتعلق بمصرف لبنان ووضع الليرة واستقرار النقد والوضع المصرفي. هذا الوضع مستقر بالوقت الحالي نتيجة السياسات التي اعتمدها مصرف لبنان للمرحلة المقبلة، حيث اعتمد على تعزيز الإحتياطات الموجودة، ونحن نتحدث هنا عن توفير احتياطي وصل الى 31 مليار دولار أميركي، بالإضافة الى الذهب. هذه الأرقام تسند الليرة اللبنانية وتجعلها صامدة في مكان معين. وضع المصارف اللبنانية جيد وسجلت بعض الإرتفاعات في الودائع خلال المرحلة الماضية. ولكن هذا الاستقرار لن يصمد لوحده من دون تحسين الوضع المالي، أي المالية العامة وما يتعلق بالعجز فيها وإجراء الإصلاحات في الإدارة والموازنة وتحفيز الوضع الاقتصادي. إن الوضع المالي حالياً سيئ ودقيق، لأننا اقتربنا من مستويات عالية جداً في العجز لا يمكن الرجوع عنها. نتحدث عن عجز في الموازنة قارب الـ11% في العام 2018. إن الموازنة للعام 2019 في حال تضمنت الإصلاحات الإجرائية المطروحة حالياً من قبل الوزارات والموجودة في وزارة المالية، فإنها ستسهم في رفع نسبة العجز الى ما فوق الـ13 %. الوضع دقيق جداً لأن أمام لبنان اليوم استحقاقات يجب تأمينها. تصنيفنا السيادي اليوم أصبح غير جيد بالإضافة الى موضوع الموازنة المطلوب إقرارها والإصلاحات المرتبطة بسيدر والمطلوب تنفيذها. الوضع المالي دقيق والقطاع العام يهلك الموازنة. يجب أن تتضمن الموازنة الجديدة للعام 2019 إجراءات تحد من بند الرواتب والأجور وتعويضات نهاية الخدمة التي تمثل نسبة 40% من الموازنة. كما أنه يفترض أن يحل موضوع الكهرباء لأنه أساسي جداً. إن خطة الكهرباء المقدَّمة الى الدولة جيدة ويجب أن تناقَش بكافة تفاصيلها وربما إدخال بعض التعديلات عليها. لكن لن نرى أي دعم من المؤسسات الدولية وعلى رأسها البنك الدولي إذا لم نبدأ الإصلاحات في قطاع الكهرباء أولاً بالإضافة الى إتمام الإصلاحات في القطاع العام والمسح المطلوب في الإدارات العامة والشراكة مع القطاع الخاص لكي نصل الى مكان نستطيع فيه تخفيض هذا العجز، ونوقف تنامي الدين العام وإعادة الإستقرار الى المالية العامة التي تتآكل يوم بعد يوم.”

إصلاحات في القضاء

ويتابع: “دفعت الدولة في العام 2018 ستة مليارات دولار أميركي للرواتب والأجور لموظفيها في القطاع العام، أي عسكر وأساتذة وموظفين في إداراتها. هذا أمر خطير جداً إذ أنه تم دفع ثلث الموازنة للرواتب والأجور. بلغت مجمل نفقات الدولة في موازنة العام الماضي 26 ألف مليار ليرة لبنانية ذهب ثلثها رواتب وأجوراً. من المفيد إجراء الإصلاحات في نفقات الرواتب والأجور ونهاية الخدمة، وأن تبدأ الدولة بإجراء مسح وظيفي فتملأ الشواغر وتستبعد الأشخاص غير الكفوئين من كل الإدارات العامة، وتعتمد معاشاً تقاعدياً أو تعويض نهاية الخدمة وليس الإثنين معاً. كما أنني أطالب شخصياً بتجميد وقف العمل بسلسلة الرتب والرواتب بنسبة 10 % منها على مدى 3 سنوات، لأنه في حال لم نتخذ كل تلك الإجراءات فلن تستطيع الدولة اللبنانية دفع الرواتب. كل تلك الإجراءات يجب أن تسير معها بالمقابل إجراءات مكافحة الفساد والهدر مع إقرار القوانين وتطبيع قانون الإثراء غير المشروع والجمارك. لا يمكن أن نقتطع أجور الموظفين وان نقوم بتشحيل الموظفين من الإدارات العامة والدولة لم تبدأ بتطبيق قوانين مكافحة الفساد، وزواريب الهدر والفساد ما زالت قائمة. لا يمكن لدولة أن تستقيم إن كان القضاء عندها ينخره العفن، لهذا عليها أن تبدأ بإصلاح هذا القضاء كمرحلة أولى.”

تخفيض النفقات وزيادة الإيرادات

ويستكمل: “حتى وقت قريب لم يكن المسؤولون اللبنانيون مدركين خطورة الأوضاع المالية والإقتصادية عن جهل أو عن وعي. لكن بعد هذا الضغط الإعلامي على حقيقة الوضع فهموا الحقيقة وهي أن جميعنا نغرق، اتخذ القرار بإجراء الإصلاحات. وأن مقولة عفا الله عن ما مضى لن تطبق لأن هناك أموالاً يجب أن تستردها خزينة الدولة وأن تعاقب بشدة كل شخص قام بأكل حقوق الناس. هناك اليوم قرار سياسي بإجراء الإصلاحات. لكن “سيدر” لم يبدأ بعد لأننا لم نرَ بعد إصلاحات حقيقية. يجب البدء بتلك الإصلاحات فوراً لأنها تنقذ ما يمكن إنقاذه. أشيد بالإجراءات التي طرحها وزير المال علي حسن خليل التي توفر أكثر من ألفين ومئة مليار ليرة عبر تخفيض النفقات المخصصة للوزارات والسلطات العامة والمستشارين والمخصصات السرية والدعم. إنها إجراءات مهمة جداً. الموازنة هي الورقة التي تعيد تنظيم الأرقام المالية للدولة وهي أساس لانتظام العمل المالي في الدولة اللبنانية. يجب أن تشهد هذه الموازنة تخفيضاً في النفقات وحصرها والبحث عن كيفية زيادة الإيرادات بعيداً عن الرسوم والضرائب.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *