من طرابلس: “أرزة” و”راجي” يجوبان أصقاع العالم.. بالفرنسية

تحقيق جودي الأسمر

في البداية، صمّمت جمعية الرابطة الوطنية لأساتذة اللغة الفرنسية ANEFL مشروع “مدينتي- قريتي” (Ma ville- Mon village)، في نطاق مدارس طرابلس والشمال وعكار. ثم اقترحت رئيسة المعهد الفرنسي في طرابلس يامينا ندجادي بأن يتوسع الى عدة مناطق، فتلقت مدارس بعلبك ودير القمر الفكرة بتجاوب كبير. ولكن، لم يعد يصحّ ترسيم حدود هذا المشروع في النطاق اللبناني فحسب، بعدما توسّعت دائرته لينخرط فيه: 17 بلدًا، 150 معلّمًا، 60 مؤسسة تربوية، و4125 تلميذًا فرنكوفونيًا. فما هي تفاصيل “مدينتي- قريتي”؟ ومن هم بطلاه؟ وكيف خطا نحو الخارج؟

سياحة لأجل التربية.. والعكس

تقول مسؤولة المشروع ريما عبد الفتاح مبيض، الاستاذة في الليسيه ألفونس دولامارتين طرابلس ونائب الأمين العام للجمعية أنّ الخطوة كانت مُعَدًّة بالتوازي مع شهر الفرنكوفونية. انطلقت بواكيرها في كانون الأول من العام الماضي، من خلال ورشة أعدّت فيها ريما معلّمات لغة فرنسية من الشمال، اكتشفن خلالها رزمة تربوية لتحضير سلسلة تعليميّة، تفضي الى خلق مطويّة سياحية يعدّها التلاميذ باللغة الفرنسية حول مدنهم وبلداتهم. وتعلّمت المدرسات استخدام برنامج على الكومبيوتر لخلق وتصميم المطويّة. تلفت مبيض ل”البيان” أنّ “المكوّن الاهم للمشروع هو تحويل المطوية السياحية الى مادة مدرسية. مادة ممكن تناولها في المدرسة وانتاجها في الصف وخارج الصف”. فبالإضافة الى النصوص التي تنقل معلومات، تنفرد المطويات بقصائد ونصوص ذاتية بالفرنسية أعدها تلاميذ (10-13 سنة) من الصف الخامس حتى الثامن أساسي.

كيف استقبِل أرزة وراجي؟

وتضيف “كان “أرزة” و”راجي” بمثابة سفراء للقيام بهذه الجولة في لبنان، وحتى في العالم. ساعدانا ليكونا “حجة” نجحت في شدّ اهتمام الطلاب”، وتنسب هذا الجهد الى المصمم والأستاذ في الجامعة اللبنانية منير صيادي الّذي خلق الشخصيتين بتلك الحلّة الجاذبة. بنت وصبيّ يافعان، بملامح لطيفة. هي تعتمر الطرطور الأحمر تنسدل منه طرحة بيضاء، وترتدي تنورة رُسِمَ على دائرها شجر الأرز، وهو يعتمر الطربوش ويضع بزة سوداء مطرزة. أضيف تفصيل عصريّ الى هذا البروفيل التقليدي، فانتعل أرزة وراجي “كونفرس” أحمر، مثلما يجنح أقرانهما في المدارس. ومنذ نقلت المعلمات المشروع، توالت على صفحات المدارس والرابطة على الفيسبوك، صور تلاميذ يستقبلون أرزة وراجي على بوستر يعلّقونه على حائط الصف. وهناك مدرسة اصطحبتهما الى حديقة طرابلس العامة (المنشية)، والى قصر نوفل. في أقاصي عكار، قامت مدرسة بطباعة لافتة ثبتتها خلال نزهة تربوية في سهل القمّوعة. 

بين العودة للجذور.. والخطو نحو الآخر

مجال التدخل اختزلته رئيسة الـANEFL بشرى بغدادي عدرة، بمحور “أنشطة شبابية في بيئة ناطقة بالفرنسية”، انسجامًا مع السياسة الثقافية والتعليمية واللغوية في لبنان، منذ انضمامه الى المنظمة الدولية الفرنكوفونية عام 1973، والتزامه القيم الفرنكوفونية المدافعة عن تعددية اللغات والثقافات. وتضيف عدرة لـ”البيان” أنّ “هذا المشروع متمخض عن خطة استراتيجية وضعتها الرابطة للسنين الأربع القادمة، استندنا فيها الى دراسات أعددتُها عن واقع اللغة الفرنسية في لبنان، أهمها التقرير الذي صدر عن الجهاز الوطني للتقييم” الذي أنشأته عدرة في وزارة التربية بالتعاون مع المنظمة الدولية الفرنكوفونية. ويصب مشروع “مدينتي- قريتي”، في أولى التوصيات التي لحظت أن تعليم اللغات الأجنبية محدود بالكتب، بدون خلق ظروف ملائمة للتعلم والتواصل باللغات الأجنبية، التي تفضّل عدرة تسميتها بـ”اللغات الصديقة”، لا سيما الفرنسية. تشرح أنّ موضوع “مدينتي-قريتي” أطلقته ليخفف من ارتدادات الاكتظاظ السكاني المديني، الذي أبعد الناشئة عن قراهم الأم وتراثهم الهووي. 

وتضيف عدرة “تدرّجنا ضمن طرائق ناشطة وجماعية تضع التلميذ في صلب العملية التربوية، وانتقلنا معه في هذه العملية من غرفة الصف الى محيطه الاجتماعي والثقافي”. وتلفت الى أنّ المشروع يسّرته مساهمات متعددة التخصصات. تعاون في تنفيذه في مدارس عديدة أساتذة اللغة الفرنسية، مع أساتذة التاريخ، والجغرافيا، والفنون، والمعلوماتية. 

معرض المطويات “مدينتي-قريتي”

وكان معرض المطويات قد أقيم نهاية الشهر الماضي في المعهد الفرنسي بطرابلس. حضرت افتتاحه الأمينة العامة للجنة الوطنية لليونيسكو تالا زين التي قالت “هذه المنشورات السياحية، على بساطتها هي عميقة، لأنها كُتبت بأقلام شفّافة، وصادقة، حيث أن لا مجال للتزييف والمبالغة إلا للتعبير عن الهوية”، فيما اعتبرت رئيسة المعهد ندجادي أنّ المطويات أتاحت لها التعرف الى مناطق لبنانية لم يؤتَ على ذكرها من قبل. وتحدثت المستشارة التربوية سيفيم الرافعي باسم الـANEFL مبرزة أنّ أهداف المشروع تندرج في “توطيد أواصر التعاون مع الجمعيات والأساتذة العاملين في مجال اللغة الفرنسية، كما ساهم في تعزيز مستوى اللغة الفرنسية في المؤسسات التعليمية وغير التعليمية الرسمية منها والخاصة. وساعد على التواصل بين أساتذة اللغة الفرنسية والناطقين بها في الأراضي اللبنانية وخارجها”.

الانفتاح المناطقي انعكس على خيارات التلاميذ أنفسهم الّذين لم يعدّوا مطويات حول بلدات وقرى الشمال وعكار وبعلبك والشوف وحدها، بل غطّت البروشورات 37 منطقة على امتداد لبنان، لوحظ بينها غياب بيروت. غياب العاصمة، إن دلّ على شيء فهو مؤشر على اندفاع المجتمعات المحلية في المناطق الأطراف لسدّ الفجوات السياحية والتثقيفية، فاختارت المدارس أن تروّج بأنفسها للسياحة في مناطق تغفلها الوزارات والبلديات.

سياحة بالفرنسية.. وصولاً للولايات المتحدة

على الصعيد الدولي، تكشف ريما مبيض لـ”البيان” أنّها، الى جانب تواصلها الدائم مع زملاء في الخارج، استقطبت اهتمام أساتذة عبر منصة تربوية للبعثة العلمانية الفرنسية، أتاحت أن تدربهم عن بعد، وترفدهم بالمساعدة التقنية والعلمية. تضيف “هذا الحماس حملني لتمديد مهلة التسجيل في المشروع، وصرنا أكثر مرونة في معايير الفئات العمرية للطلاب، بإيعاز الكثيرين. تعليم الفرنسية منوط بظروف ومستويات تختلف معاييرها عن تلك الشائعة في لبنان”. بموجب هذا التعاون، تنقّل “أرزة” و”راجي” بين مدن وبلدات لبنان، مصر، المغرب، الاردن، هنغاريا، اليونان، مولديفيا، النروج، ايطاليا، نيوزيلاندا، ايران، بنين، الكاميرون، جمهورية التشيك، وصولًا للولايات المتحدة، أهم معاقل الإنكليزية، التي كتب عنها تلاميذها بالفرنسية. أمر غريب؟ تقول ريما “هنا تقع المفاجأة- مفاجأة جميلة بالطبع.” مستطردة أنّ التجربة أتاحت التعرف الى موقع الفرنسية المتفاوت في هذه الدول، بين لغة تعليمية كما في لبنان، ولغة أجنبية في بعض منها. 

وانتظرت مبيض حلول 15 نيسان، الذي توازى مع انتهاء شهر الفرنكوفونية. فبحلول هذا الموعد، تلقت ريما مبيض آخر مطويّة من الخارج. مضيفة أن اختتام المكوّن الدولي للمشروع سمح لها بقياس نجاحه، لتتنفس أخيرًا الصعداء. 

فرنكوفونية التعددية.. بالمؤنث

بالمحصلة، عكس “مدينتي- قريتي” رسالة شهر الفرنكوفونية 2019، التي أطلقتها حول العالم منظمة الـAlliance Française ليحتفي 300 مليون فرنكوفوني بـ”لغتهم المشتركة، وبتعددية الفرنكوفونية”. على الصعيد المحلي، استأنف المعهد الفرنسي في لبنان شهره الثقافي تحت شعار “الفرنكوفونية بالمؤنث” (La francophonie au féminin)، الأمر الّذي انعكس بامتياز في الجهود النسائية التي كانت وراء جولة أرزة وراجي حول العالم، بدءًا من طرابلس.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *