الجهات المانحة تمارس الوصاية المالية على لبنان المتعطش لأموال “مؤتمر سيدر”

تقرير خاص- “البيان”

لبنان البلد المرهق مالياً واقتصادياً مع ارتفاع دينه العام الى أكثر من 80 مليار دولار أي ما تبلغ نسبته 157 في المئة إلى الناتج المحلي الإجمالي، وتسجيل ما يقرب من 7 مليارات دولار كعجز اجمالي عام 2018، فيما تقدّر خدمة الدين نسبة إلى إيرادات الخزينة بنحو 49 في المئة حالياً، يتطلع الى “مؤتمر سيدر” الذي خصص له 11 مليار و800 مليون دولار على شكل منح وهبات وقروض ميسرة لمعالجة أزماته الاقتصادية كي يخرج من عنق الزجاجة ولا يتجه نحو حافة الهاوية، إلا ان المانحين الدوليين وعلى رأسهم البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي يشترطون إجراء جملة إصلاحات بنيوية وتخفيض عجز موازنة 2019 بنسبة 2.5 في المئة ووقف الهدر وكل أشكال الفساد ومعالجة أزمة الكهرباء وهي أم المشاكل والأزمات كونها تستقطب ملياري دولار سنويا  علماً بأن 33 مليار دولار صرفت على هذا القطاع والازمة مستمرة فيه والتقنين باق والعلاج مفقود، ويتصرف المانحون مع لبنان كمعلم مع تلميذه يلقّنه الدرس وان لم يحفظه يهدده بالعقاب، وعقاب لبنان هو منع أموال “سيدر” عنه إذا لم تنجز هذه البنود الإصلاحية خلال ستة أشهر حتى ان نائب رئيس البنك الدولي لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فريد بلحاج، قال خلال جولة له على المسؤولين اللبنانيين في الأسبوع الماضي أنّ “سيدر” لم يبدأ بعد، والإصلاحات تبدأ فعلًا من الكهرباء، ملمحاً إلى خيبة أمل لدى الجهات الدولية بسبب تأخّر الإصلاحات، وقال: اليوم هناك احتمالات عدّة: إمّا القول إنّ “سيدر” انتهى أو أنّه موجود ولكن يجب السير به بقوّة واندفاعة أكبر، أو أنّنا رأينا “باريس 1″ و”باريس 2″ و”باريس” واليوم “سيدر” ولم يحدث شيء، مشدّدًا على أنّ الكهرباء موضوع مهم جدًّا، ولو أن له أبعاداً على مستوى عجز الميزانية، موضحاً أنّ المستثمر الخارجي إذا لم يجد في لبنان الكهرباء والإنترنت والبنى التحتية، عندها لن تكون جاذبية لبنان على المستوى المرتقب. 

وأبلغ البنك الدولي المسؤولين اللبنانيين أنه يمانع تمويل أي مشروع إذا لم يتم الاتفاق على خطّة تعالج مشكلة الكهرباء في لبنان وتخفف كلفتها عن الخزينة، خاصة وان كلفة الكهرباء على الخزينة بلغت في عام 2018 نحو 1.8 مليار دولار، أي ما يزيد على 15 في المئة من إيرادات الخزينة، لذا، في ظل غياب الاتفاق على حلّ لقطاع الكهرباء، فإن العجز سيبقى مرتفعاً، ولن يتمكن لبنان من الإيفاء بتعهداته أمام الدول المانحة في “سيدر”، وأبرزها خفض العجز نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي بمعدل 5 في المئة خلال خمس سنوات.

وسبق للبنك الدولي ان أنجز تقريراً عن لبنان رأى فيه أن إطار المخاطر الخاص بلبنان يرتفع بشكل حاد، وأن فائدة بعض الأدوات التي يستخدمها المصرف المركزي تُستنفَد بعد سنوات من التطبيق، معتبراً ان المصرف المركزي استجاب من خلال تعزيز مخزونه من احتياطيات النقد الأجنبي وإطالة آجال استحقاق الودائع والحد من السيولة المتاحة، موضحاً ان التنفيذ السريع لالتزامات “مؤتمر سيدر” أساسي للمساعدة في التعويض عن انحدار الثقة، خصوصاً ان الحكومة عرضت في المؤتمر رؤية لتحقيق الاستقرار والنمو وخلق فرص العمل، حيث تعهّدت بضبط الأوضاع الماليّة بنسبة 5 نقاط مئوية من الناتج المحلّي الإجمالي على مدى السنوات الخمس المقبلة، ويتوجب تحقيق ذلك من خلال إجراءات تتعلق بالإيرادات بما في ذلك تحسين آلية الجباية والحد من الثغرات وتخفيض الانفاق.

كما جال السفير الفرنسي المكلف متابعة مؤتمر “سيدر” بيار دوكين في الشهر الماضي على المسؤولين مهدداً ومتوعداً، وطالب بتنفيذ الخطة الإصلاحية كمدخل لالتزام الدول المانحة بدعو لبنان، وقال ان هناك مهلة شهرين لتنفيذ ما يرونه من إصلاحات أوليّة، أساسها الخصخصة لاسيما تحريرقطاع الاتصالات، وبعدها، إن لم يلتزم لبنان، فإن التزامات الدول المانحة المُقرِضة ستكون مهدّدة. كما طالب بخفض عجز الموازنة بما يعادل 1 في المئة من الناتج المحلي، ووضع آلية لمكافحة التهرب الضريبي والفساد على أن تكون فعلية وجديّة وليست شعارات، إطلاق عقود الشراكة مع القطاع الخاص.

وخلاصة القول ان لبنان تحت الانتداب المالي الدولي طالما وضع رقبته المالية رهن إرادة الجهات المانحة التي تكون لها أحياناً أجندات سياسية، ويتصرف القيمون على “سيدر” وغيره من المؤتمرات الداعمة للبنان كحال الفوض السامي الفرنسي أيام الانتداب، حيث يحدد السياسة العامة في البلاد ويضع الشروط، ويبدو ان لبنان تعود على الوصايات منذ الانتداب حتى الوصاية السورية، لأنه قاصر في نظر الخارج عن إدارة أحواله بنفسه، وهذه مسؤوليه أهل الحل والربط فيه الذي يعتبرون البلد “بقرة حلوب” بتقاسمون حليبها دون رحمة حتى جفّ ضرعها وباتوا يقفون على ابواب الخارج كشحاذين رغم ان أي عملية إصلاحية كفيلة بتأمين ما قدمه” سيدر” وبالأخص فإن مكافحة الفساد تكفل توفير 10 مليارات دولار سنوياً ناهيك عن العديد من أماكن الهدر والسرقة  الكفيلة بسد العجز وتأمين البحبوحة المالية، لكن على من تقرأ مزاميرك يا داود؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *