إنتخابات طرابلس الفرعية بمن حضر.. جمالي تعود الى النيابة.. ونسب الاقتراع ضئيلة

كتب محرر الشؤون الطرابلسية

إستعادت طرابلس أجواء إنتخابات العام 2009، عندما تحالفت أكثرية قياداتها السياسية ضمن لائحة واحدة، إنبثقت عنها بعد الفوز الكبير الذي حققته في صناديق الاقتراع، جمعية التضامن الاجتماعي التي ضمت النواب الثمانية في المدينة إضافة الى عدد من الخبراء في الاقتصاد والإنماء من أجل النهوض بالفيحاء وتنفيذ المشاريع الملحة فيها وتوفير فرص العمل لأبنائها. عشر سنوات مرت على ذاك الاستحقاق، شهدت طرابلس فيها خلافات وتجاذبات وصراعات سياسية، حملت الويلات من جولات عنف وتوترات أمنية وإتهام بالإرهاب وتشويه لصورتها وانهيار إقتصادي، وقد ساهم ذلك في زيادة الأزمات التي تعاني منها طرابلس التي بدأت بفعل غياب الرؤية الموحدة تتجه نحو الانهيار الكامل الذي بدأ يقض مضاجع الطرابلسيين.

عشر سنوات ربما أيقن السياسيون خلالها أن لا طائل من هذه الصراعات التي لا تجلب سوى الخراب، وأن كل التجارب السابقة بما فيها إنتخابات البلدية في العام 2016، ومن بعدها الانتخابات النيابية في العام 2018، أثبتت أن طرابلس لا يمكن أن تعيش وتنهض إلا بالتوافق السياسي الذي إنطلق في الاستحقاق الماضي بين الرئيس سعد الحريري والنائب السابق محمد الصفدي، ومن ثم بعد الانتخابات بين الحريري والرئيس نجيب ميقاتي، الى أن تعزز أكثر فأكثر تحت عناوين الدفاع والحفاظ على موقع وهيبة وصلاحيات رئاسة الحكومة، وإنماء طرابلس، إلا أن قرار المجلس الدستوري بابطال نيابة ديما جمالي جاء فسره البعض بأنه يريد زرع الشقاق مجدداً بين أبناء المدينة الواحدة، لكن الوعي الكبير الذي ظهر لدى القيادات السياسية أدى الى تفويت الفرصة على كل من يريد أن يشغل طرابلس بخلافاتها، فجاء الإعلان الأول من النائب السابق محمد الصفدي وعقيلته السيدة فيوليت بدعم خيار الرئيس الحريري بترشيح ديما جمالي، ثم أكد الرئيس نجيب ميقاتي أن العلاقة الجيدة مع الحريري تتطلب دعم خياره بهذا الترشيح، وكذلك فعل النائب محمد كبارة الذي عزف عن الاستقالة وترشيح نجله كريم مكانه، وأعلن دعم المرشحة ديما جمالي نزولاً عند رغبة الحريري، ثم انضم اللواء أشرف ريفي الى هذا التحالف من خلال مصالحته مع الرئيس الحريري والتي تمت في منزل الرئيس فؤاد السنيورة بحضور الوزير السابق رشيد درباس، لتكتمل الصورة الطرابلسية المشرقة عشية الانتخابات النيابية الفرعية دعماً لجمالي التي بذلت مجهوداً كبيراً مع أمين عام تيار المستقبل في الجولات الانتخابية ومحاولات استقطاب الناخبين وإقناعهم بالمشاركة في هذا الاستحقاق الفرعي الذي لم يقنع كثيرين من أبناء المدينة للتعاطي معه والمشاركة فيه.

لا شك في أن التحالف السياسي العريض، أوحى بأن المعركة شبه محسومة لمصلحته، وأن أحدا لا يستطيع أن يواجه الماكينات الكبيرة التي ستعمل خلف ديما جمالي، لذلك فقد وجدت قوى 8 آذار أنه من الأنسب لها الإعلان عن مقاطعة الانتخابات حيث ضربت أكثر من عصفور بحجر واحد، لجهة أنها حافظت على ماء وجه مرشحها والتمسك بأنه فائز في الانتخابات وأن الفائز لا ينافس خاسر، ثم لتجنب خسارة من شأنها أن تنعكس عليها سلباً أمام التحالف السياسي الداعم لجمالي، وكذلك للاستفادة من عدم الحماس لهذه الانتخابات، حيث أن القاصي والداني كان يعلم ان نسبة الاقتراع لن تتعدى العشرة بالمئة الأمر الذي أرادت تجييره لمصلحتها وإظهار أن إنخفاض النسبة جاء بفعل دعوتها الى المقاطعة.

في ظل هذه الأجواء السياسية التوافقية التي انعكست إيجاباً على طرابلس جرت الانتخابات النيابية الفرعية، التي أدت الى فوز ديما جمالي وعودتها الى مجلس النواب حيث حصدت (19398 صوتاً)، بعدما بلغت نسبة الاقتراع 12.55 بالمئة، وهي نسبة وجدها البعض جيدة نظراً لظروف المعركة، خصوصاً أن إنتخابات من هذا النوع غالبا ما لا تهم إلا أصحابها، أي أنها تقتصر على مشاركة الماكينات الانتخابية لكل فريق سياسي، فضلاً عن غياب العنوان السياسي، وإنعدام المال الانتخابي، وعدم وجود منافسة حقيقية وإقتصار الترشيح في وجه جمالي على عدد من الناشطين في المجتمع المدني في مقدمتهم المهندس يحيى مولود الذي أضاف الى الرصيد الذي حققه في الانتخابات الماضية أكثر من ألفي صوت (3313 صوتاً)، وكذلك النائب السابق مصباح الأحدب (2520) الذي ترشح ضد ممارسات السلطة في طرابلس، والزميل عمر السيد الذي حصد رقماً مشرّفاً (2161 صوتاً) بالرغم من الإمكانات المعدومة، إضافة الى تضامن شريحة من الطرابلسيين مع قضية الموقوف في السجون الإيرانية نزار زكا الذي نال (514 صوتاً) ما يمكن أن يشكل مزيد من الضغط على الدولة من أجل متابعة قضيته والافراج عنه، وطلال كبارة (302 أصوات). 

لكن المفارقة هي وجود 2648 ورقة ملغاة، ما يشير الى أن كثيراً من الناخبين ما يزالون يجهلون طريقة التصويت الجديدة التي تعتمد على الأوراق المعدة سلفاً من وزارة الداخلية، فضلاً عن معلومات أن كثيراً من الأوراق الملغاة حملت عبارات وإشارات مختلفة تعبيراً عن رفض توجهات معينة، فضلا عن 1951 ورقة بيضاء، أراد أصحابها التعبير عن أنفسهم بكثير من الرقي حيث شاركوا في عملية الاقتراع ومارسوا حقهم واعتمدوا خيار الورقة البيضاء.

كل تلك الأسباب التي تبدو موضوعية لا تلغي أن ثمة نقمة شعبية عارمة في طرابلس على السلطة والسياسيين وكل أركان الدولة أدت الى تدني نسبة الاقتراع بهذا الشكل الكبير، فالسواد الأعظم في طرابلس محبط ولم يعد يريد المشاركة في أي إستحقاق إنتخابي إلا في حال لمس تبدلا في تعاطي الدولة مع المدينة، أو قدرة لدى القيادات السياسية الطرابلسية على إنتزاع الحقوق وبمفعول رجعي. 

كما أن الطائفة العلوية تشعر أنها مهمشة وأنها غير ممثلة في السلطة بدءا من أصغر موظف في الدولة وصولاً الى تمثيلها في الحكومة، والطوائف المسيحية يحتجون على عدم مراعاة تزامن الانتخابات مع عيد الشعانين، فكان حضورهم على صناديق الاقتراع ضئيلاً.

كل ذلك يشير الى أن طرابلس وجهت من خلال إنتخاباتها الفرعية رسالة شديدة اللهجة، مفادها أنها سئمت الوعود والشعارات عند كل إستحقاق إنتخابي، خصوصاً أنه في السنوات العشر الأخيرة لم يكتمل فيها مشروع واحد، كما لم ينفَّذ فيها مشروع جديد، فيما البطالة تستشري والأزمات تتضاعف والفقر يتوحش والتسرب المدرسي يأخذ مداه، وهذا ما لن ترضى به المدينة وأهلها الذين اكتفوا في اليوم الانتخابي الطويل، بالانكفاء عن المشاركة، موجهين إنذاراً الى الجميع، على أن يكون الحساب العسير في انتخابات عام 2022 إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه.

تشير مصادر مطلعة الى أن التوافق السياسي الذي تعيشه طرابلس اليوم والذي ترجم في الانتخابات النيابية بتأمين فوز ديما جمالي، يقع على عاتقه مسؤوليات كبرى، أولها تخفيف حالة الاحتقان الشعبي في المدينة بضخ كثير من الخدمات والمساعدات ومن حضور الدولة على صعيدي التنمية والإنماء لا سيما في المناطق الشعبية، رفع الصوت عالياً للمطالبة بكل ما تحتاجه المدينة على صعيد إطلاق المشاريع وتفعيل المرافق الحيوية، وإنصاف طرابلس في التعيينات الإدارية وفي الفئة الأولى بما يعيدها بقوة الى الإدارة اللبنانية، واختيار الأكفاء في مجالس إدارة المعرض والمرفأ والمنطقة الاقتصادية، وتشغيل مطار القليعات، والضغط المستمر على الرئيس سعد الحريري من أجل الالتزام بالوعود التي قطعها على نفسه خلال زيارته الأخيرة الى طرابلس بانطلاق قطار الإنماء نحوها، وهو عبر في تغريدة له على تويتر بعد إعلان فوز ديما جمالي حيث قال: “ألف شكر لطرابلس وكل الذين اجتمعوا على انتخابات حرة ونزيهة. مبروك لديما، والآن الى العمل لتبقى طرابلس فيحاء”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *