لبنان من جديد يترقب.. التفاوض او التصعيد الخطير في المنطقة

انشغلت الأوساط السياسية اللبنانية بمصير حكومة الرئيس حسان دياب، فساد انطباع  في الايام الماضية أن هذه الحكومة قد آن أوان رحيلها،  وبدت معظم القوى  في موقع نقدي لتجربة حكومة “الانقاذ”، فتحدث هؤلاء عن جعبة فارغة لهذه الحكومة من أي انجازات، ووحده الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار مقابل الليرة يمثل معياراً صارخاً حول عجز هذه الحكومة وتخبط تجربتها وتعثرها مضافاً إلى النكسة الخطيرة التي وقعت فيها عندما دخل البرلمان على خط تصحيح أرقام الخطة المالية، وحيث تولى رئيس مجلس النواب نبيه بري إعطاء دفعة دعم قوية لعمل لجنة تقصي الحقائق، في حين بدا موقف “التيار الوطني الحر” منقسماً بين اندفاعة النائب ابراهيم كنعان وتردد النائب جبران باسيل، علما أن البعض وضع  هذا التردد في خانة توزيع الأدوار.

وفق اوساط سياسية فقد بدأت في الايام الماضية معطيات ومواقف اضعاف الحكومة تتجمع من كل حدب وصوب. فمواقف واشنطن من وزير الخارجية مايك بومبيو الى نائبه لشؤون الشرق الاوسط ديفيد شينكر الى السفيرة الأميركية دوروثي شيا، بدت حازمة في نقد الحكومة وتطويقها والقاء المعاجز على ما هو مطلوب منها، ثم فجأة التفت الجميع الى الانكفاء الفرنسي بعدما كانت باريس قد سجلت استعدادا لمؤازرة الحكومة ليتبين أن  هذا الانكفاء  مرده، وفق مصادر دبلوماسية،التخبط اللبناني والتناحر الداخلي حول القيام بالاصلاحات المطلوبة. فباريس انصدمت  من اداء المعنيين خلال مؤتمر  “سيدر” الذي ثبت المؤكد ان هذه الحكومة، غارقة في نهج المحاصصة، وبعيدة كل البعد عن تطبيق ما تعهدت به من محاربة الفساد واصلاح بعض القطاعات لا سيما قطاع الكهرباء.

بعد المواقف الخارجية جاء ابداء القوى الداخلية الانزعاح من حكومة دياب، و أكثر ما أثار التساؤلات تمثل بزيارة نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي الى “بيت الوسط” وما أعقبها من تصريح متفجر لدولته، حيث قدم الحريري بوصفه البديل المرتجى لحكومة دياب المنهكة، على قاعدة أنه سوف “يلم الشمل”؛ ففي الوقت الذي بدأت السهام تصوب على حكومة دياب، جرت حماية الحاكم المركزي رياض سلامة وتعطيل امكانية اقالته او الدخول على حسابات البنك المركزي من 8 و14 آذار، وحده “حزب الله” انفرد مسؤولوه بالدفاع عن حكومة دياب، ثم اعقب ذلك تصريح لرئيس مجلس النواب بدد فيه الشكوك حول موقفه الملتبس ليعلن أن هذه الحكومة باقية.

في الحقيقة، لم تنضج ظروف تغييرحكومة دياب بعد، رغم الحركة التصعيدية الدبلوماسية الغربية والخليجية تقول الاوساط نفسها، فنقطة قوتها الاساسية  تكمن في تعثر الاتفاق على بديل لها ولأن المرحلة هي مرحلة الضغوط المتبادلة والتصعيد من سقف المواقف بانتظار حدث ما.

يدرك الجميع أن الشروط التي يتداولها الأميركي تجاه لبنان غير قابلة للتطبيق عند “حزب الله” حتى الساعة، وأن التحول شرقاً عملية شائكة ومعقدة لان اداء الطبقة السياسية سوف يقف عائقا امام أي تعاون سواء حصل مع الشرق او مع الغرب؛ وأن للانهيار المالي والاقتصادي حدوداً امنية وسياسية ومعيشية شديدة الخطورة.

في بلد التوازنات الطائفية الدقيقة والنظام السياسي الهش، العلاقات مضطربة بين مكوناته الاساسية، وهناك ما لا يقل عن مليون سوري بدأوا يبحثون عن منفذ للخروج من لبنان، واغلبية هؤلاء يتطلعون شمالا باتجاه أوروبا وهناك قرابة نحو 15 ألف جندي دولي في عديد قوات “اليونيفيل” يتواجدون في بيئة لا تستثيغهم كثيراً، فهل فعلاً يراد للعبة الانهيار الاقتصادي الخطير أن تدفع البلد تجاه الذوبان أم ان الجميع ينتظر الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة وفرصة التفاوض الاميركي والايراني ؟

ليس من الضرورة أن يطال التفاوض الملفات العالقة جميعها، إنما قد يطال بعضها، وفي هذا السياق يعطي الأميركي أهمية استثنائية لملف ترسيم الحدود البرية والبحرية، وهذا الاهتمام يلاقي تجاوباً ما من قبل رئاسة الجمهورية واستعداداً لإعادة النظر في إطار التفاوض ومضمونه وهو ما التزم حياله “حزب الله” وحركة “أمل” صمتاً يغلف حذراً وحساسية غير معلنين، تقول مصادر الثنائي الشيعي لـ “لبنان 24″.

في مطلق الأحوال، إن حالة الاحتضار البطيء التي تمر بها البلد، لا يمكن أن تتحول الى ستاتيكو طويل الامد، بل لا بد لها أن تشهد منعطفات إما باتجاه التفاوض الذي ينتج تفاهمات جزئية أو باتجاه تصعيد خطير يتجاوز البيئة المحلية الى المستوى الاقليمي، علما أن مصادر دبلوماسية تشير إلى  ان ذهاب واشنطن وطهران الى التفاوض واقعة لا محالة. فايران سوف تقدم التنازلات خارج اراضيها اذا رفعت العقوبات عنها، وربما عندها قد نشهد حلحلة  لملفي المعابر والترسيم الذي لن يكون رهن قرار “حزب الله” وحده. فالمعادلات التي ترسم، دائما تكون رهن موازين القوى الغربية و الاقليمية لا اللاعبين المحليين، بمعزل عن ان “حزب الله” بات قوة اقليمية، والى حينه، فإن الأشهر الاربعة المقبلة ستكون ساخنة جدا على لبنان.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *