طرابلس تهزّ العصا.. لسنا مكسر عصا!

جودي الأسمر

بصرف النظر عن خلفية قرار المجلس الدستوري، بإقامته انتخابات فرعية جديدة في طرابلس، والتي لم يتقبله أي منطق سوى على مضض، أو أكثر تحديدًا، لم يتقبّله اللبناني سوى بحلّة الأمر الواقع الذي يفرضه مجلس أحكامه مبرمة، يبقى لدى الطرابلسي الكثير ليقوله في هذه الانتخابات. الإحباط مسيطر، ولا يمكن تجاهله، أو لوم أهالي المدينة على استبداده، ولكن، لنقرأ الأمر من زاوية مختلفة الآن.

تجربة نيسان 2019 تشبه الى حدّ بعيد تجربة البلدية عام 2016. في ذلك الحين، توافقت كلّ القوى السياسية على لائحة واحدة، مقابل اللائحة الأبرز التي دعمها اللواء أشرف ريفي آنذاك، وشكلت خرقّا غير مسبوق في لائحة الأحجام العملاقة.

اليوم، أيضًا، تكتّل الحريري- الصفدي- ميقاتي لدعم مرشّحة السلطة الوحيدة في البرلمان، ديما جمالي.

تتوقف أوجه الشبه هنا، إذ لا يصحّ إسقاط تجربة البلدية على الانتخابات النيابية الفرعية، والسبب الجوهري هنا يكمن في تسييس البلدية فيما بعد، قبل أن يتخلى عنها اللواء أشرف ريفي الذي بقي عرّاباً لرئيسها قبل أن يستفحل الفشل في أدائها ويعلن ريفي تخلّيه عنها.

بينما التجربة الراهنة تقدّم مرشّحة سلطة مقابل مرشّحين غير مدعومين سياسيًا. المرشحون الآخرون مستقلون. وهنا يكمن الفارق الكبير.

من المحقّ، ونذهب الى حدّ القول إنه من الضروري الاعتبار من دورس الماضي، التي ينطبق عليها حرفيًا المثل الشعبي القائل “الكفّ اللي ما بيعلّم ما بيعلّم”. ومن غير الممكن عزل الناخب في طرابلس أو تحصينه ضد مشاعر اليأس والقرف وربما الشعور بالهوان والظلم حدّ الذل. كلّ هذه مشاعر حقيقية ومشروعة، ولكن، الى من تركنا هذه المدينة؟ الى وعودهم العرقوبية التي لا تسمن ولا تغني من جوع؟ أبرزها، وليس وحدها، 5000 فرصة عمل، لم يؤتَ منها مشروع واحد بعد نيابة غير شرعية استمرت عشرة شهور، كانت كافية لتدارك المأزق الذي وقعت فيه المدينة، و14 نيسان فرصة لهذا التدارك. 

ينبغي قراءة الواقع بنظرة مختلفة، حيث لا مجال للإحباط، اليوم أكثر من أي وقت مضى. وهنا يتكرّر السؤال، عينه، من زاوية جديدة: أيّ واقع سياسي وتنموي نترك لأجيال طرابلس الشابة؟

يكفي شباب طرابلس أنهم ولدوا في أكثر حقبات المدينة إفلاسًا، على الصعد الأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. يكفي أنهم ولدوا ليسددوا مليارات الديون التي تكدست فوق أكتافهم بدون أن تستفيد منها طرابلس أو يجنوا منها ناقة أو جملاً. يقول لي صديق عميد متقاعد في الجيش، أشكو له بطالة أحد المقربين “نحن في أسوأ حقبات البلاد على الإطلاق. عشت طويلًا ورأيت كثيرًا، ومن سبقني يؤكّد على ما أخلص إليه: يحكم لبنان اليوم أسوأ طاقم سياسي على الإطلاق. أقذر طاقم. أفسد طاقم، و”على عينك يا تاجر”. كانوا في السابق يتعاطون السياسة مع هامش فاسد. اليوم صار الفساد سيد الموقف، بدون تعاطٍ سياسي”.

بالطبع، يحقّ لأيّ لبناني الترشح للانتخابات الفرعية، وكذلك يحقّ لكلّ الألوان السياسيّة أن تطرح نفسها في هذا الاستحقاق، ولكن لا يحق لأيّ كان بأن يتمادى في الاستخفاف بعقول الناخبين الطرابلسيين. يأتي من “عوارض” هذا الاستخفاف سقوط المحاسبة الذاتية حيال فرص العمل الموعودة.

أما ما يميز الخطاب الانتخابي الأخير فهو محاولة تكريس “بدعة” الهلال الإيراني الذي سيُهزَم من طرابلس. إنه خطاب منافٍ للعقل، لا يرقى الى أعلى من قميص متهلهل يحاول مفلسٌ أن يستر فيه عورته السياسية. يقال، في تلك الجولات الانتخابية أن التجمعات السنية الموجودة في العراق وإيران وسوريا قد تدمرت، ولا وجود إلا للقوى السنية الموجودة في طرابلس ستنقذها في الانتخابات. أهذه محاولات جدية لتدجين العقل الطرابلسي؟ وهل باعتقادهم، أنّ هذه العقول قابلة فعلًا للتدجين؟

فضلًا عن كون هذا الخطاب غارق في الفتنوية، ويقدّم مثالًا صريحًا عن الخطاب الكراهية الّذي يبتدع إثارة النعرات والشقاق وصولًا لمصلحة المتحدث الخاصة فقط، هو أيضًا خطاب ممعن في الذكورية، لأن من لا ينتخبهم ليس “رجل”، وكأن المرأة الناخبة نصف ناخب- إنسان.

ولم تكن انتخابات 2018 بعيدة جدًا، لننسى كيف تحولت مواقع التواصل الاجتماعي لجبهات حربية انحدر فيها مستوى الحوار بين مؤيدي الفرقاء السياسيين الذين لم يوفّروا مناسبة لتعبئة جمهورهم. بعد التسوية التي حدثت في طرابلس، أحقًا يعتقد هؤلاء الساسة أن الناخب الطرابلسي “جاهل” وسيصدق ما يقولون؟

ما يجب ألا ينساه، الناخب الطرابلسي، هو أنّ صوته مصيره. الخيار أمامنا في 14 نيسان، بين أن نتخاذل، ونعين في سكوتنا على استكمال هذا الفصل المأساوي الطويل في واقع طرابلس، أو أن تشكل هذه المحطة منعطفًا ولو بكرسي واحد. وإن لم يحقق منعطفًا صغيرًا، يحمل هذا النهار إمكانية كبيرة لتوجيه رسالة من طرابلس.

فمثلما يحقّ لأيّ تيار أو حزب أو فريق أن يركّب المعادلة التي تناسبه ويطرح نفسه للنيابة، يحقّ لطرابلس أن تردّ عليه بكلمة، لا بصمت، أن تهزّ لهم العصا وتقول “لسنا مكسر عصا”. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *