حتى الساعة لا احد يصدق أن عصر مكافحة الفساد قد انطلق فعلاً

عدم انطلاق الحكومة بتنفيذ الخطط الإصلاحية أحدث إحباطاً للدول التي تريد ان تساعد

المطلوب أن يثق المواطن بأن مكافحة الفساد ستطال الجميع دون استثناءات

ابتعاد الوزير الريفي عن الرئيس الحريري كان أمراً مستغرباً وغير مستحب

حاورتها: كارينا أبو نعيم

لا أحد ينكر أن المنطقة بأكملها في حالة تحول وان المرحلة المقبلة تتطلب سياسات أميركية وأوروبية مغايرة للتي اتبعوها منذ سنوات. ويبقى ملف الحرب السورية هو الأبرز اليوم لأن اللاعبين الأساسيين لم يشكلوا بعد الصورة التي يريدونها للمنطقة. ما تزال الساحة محتلة من الجميع، وحتى اللحظة لا أحد يعلم من الرابح ومن الخاسر. خلقت الحرب السورية واقعاً جديداً انعكس على معظم البلدان الأوروبية والأجنبية خاصة لجهة اللاجئين السوريين، وخلق أزمات متعددة لم يسلم منها لبنان. ملف النازحين في لبنان انقسم حوله الأفرقاء في الداخل وأرخى بثقله على الوضع الاقتصادي والمعيشي والإجتماعي والأمني مما جعل الدولة اللبنانية ترفع الصوت عالياً في المحافل الدولية.

استقبلت “البيان” المحللة السياسية الأستاذة روزانا بو منصف في جولة حول ملفات داخلية عديدة منها التهديدات بانهيار الوضع المالي في لبنان، مروراً بملف مكافحة الفساد وتنفيذ بنود مؤتمر سيدر ونتائج مؤتمر بروكسيل، وصولاً لرفع حظر سفر الرعايا السعوديين الى لبنان من قبل المملكة العربية السعودية.

في بداية حوارنا، طرحنا على الأستاذة روزانا بو منصف السؤال التالي:

كيف تقيمين الوضع الاقتصادي في البلد، وهل نحن على شفير الإفلاس المالي؟

كان الوضع الاقتصادي في البلد صعباً جداً قبل تأليف الحكومة. مع تأليف الحكومة كسبنا وقتاً إضافيا. إن جميع الأفرقاء في البلد كانوا يتحدثون عن الوضع الاقتصادي الصعب الذي كنا فيه وكان البلد فعلاً في حالة انهيار. بعد أن تألفت الحكومة انبعث الأمل من جديد ليعود وتصبح الصورة قاتمة خلال الإسبوعين الأخيرين حيث حصل تناتش حاد بين الأفرقاء، أوحى أن انطلاقة الحكومة ليست كما هو منتظر ومطلوب، وان البلد ذاهب نحو الانهيار. مما أدى الى انعكاس هذا الأمر سلباً على حركة الاسواق المالية حيث عاشت حالة انكماش بكل معنى الكلمة. هذا الوضع رسم علامات استفهام حول مصير المساعدات المقررة من خلال سيدر، وأعطى إنذاراً بأنه وبحال بقي الوضع هكذا، لن ننال شيئاً من سيدر. أدرك السياسيون أنهم أخطأوا وكادوا ان يذهبوا بالبلد الى الأسوأ، وسيتحملون هم هذه المرة المسؤولية الكاملة . أتمنى ان يكونوا قد أدركوا خطورة الوضع واقتنعوا بأن يذهبوا نحو خطوات إصلاحية أكبر. عبّر حاكم مصرف لبنان منذ يومين حرفياً بعبارة: “الأسواق هادئة” ومعنى ذلك أنه لا يوجد الكثير من الخضات والطلعات والنزلات، ولكن هناك حذر كبير بالمقابل.

ماذا حول مؤتمر بروكسيل؟

كان الموقف اللبناني جيد جداً ومريحاً في بروكسيل عبّر عنه رئيس الحكومة سعد الحريري من خلال الكلمة التي ألقاها وتضمنت ما ورد في البيان الوزاري في خصوص موضوع النازحين والموقف اللبناني، ولقي كلام الرئيس الحريري ارتياحاً لدى الجميع. هناك مشكلة في الداخل اللبناني حول موضوع النازحين تمّ التعبير عنها على لسان الوزير جبران باسيل، وكان موقفه عالي السقف، كذلك تمثلت بالجدل الذي حصل حول مرافقة أو عدم مرافقة وزير النازحين لرئيس الحكومة الى مؤتمر بروكسيل. هناك معلومات تشير الى ان هناك ارتياحاً من عدم ذهاب الوزير الغريب مع رئيس الحكومة الى البروكسيل، والسبب أن الوزير الغريب بعد عودته من سوريا حمل تطمينات من السوريين الذين قالوا له بأنهم سيتعاونون ويعيدون النازحين، في الوقت الذي كان لدى كل الدول الغربية والأجنبية معلومات مناقضة كلياً لما صرّح به السوريون للوزير الغريب. كان هم المجتمع الدولي الذي كان متواجداً في مؤتمر بروكسيل عدم ذهاب لبنان المتعدد الأصوات في موضوع النازحين لهذا المؤتمر، حيث لوزير الخارجية رأي ولوزير النازحين رأي ولرئيس الحكومة رأي آخر. كان الارتياح كبيراً بأن تمثل لبنان برأي رئيس الحكومة الذي يفهم لغة الغرب ويعبر عن الهواجس في الداخل. عبّر لبنان عن موقفه وحصلنا على نوع من استمرار المساعدات نتمنى أن نحصل عليها لأنه في السنوات الماضية لم تعطَ كل المساعدات التي أقرها المجتمع الدولي. كما أن لبنان مثابر على الضغط في هذا الموضوع حيث سيزور رئيس الجمهورية موسكو الأسبوع المقبل على أمل أن يتمكن من أن يطلب من الروس أن يضغطوا على النظام السوري من أجل تقديم بعض التسهيلات والضمانات للنازحين السوريين، خاصة على مستوى التجنيد الإجباري وغيرها.

وماذا عن مؤتمر سيدر؟

إن مسألة مؤتمر سيدر مختلفة كلياً. إن الجميع ينتظر من الدولة اللبنانية أن تضع الخطط الإصلاحية. حين توضع خطة الكهرباء على طاولة الحكومة ويعطى الوزراء مهلة أسبوع فقط لدراستها يُظهر هذا أن الدولة اللبنانية تخلفت عن الانتهاء من إعداد خططها الإصلاحية الملزمة ووضعها ضمن مقررات سيدر. إن الخلل الذي أصاب البلد خلال التسعة اشهر من المفاوضات لتأليف الحكومة، خاصة وأن مؤتمر سيدر قد أقرت بنوده قبل الانتخابات وقبل أزمة الحكومة، كان منتظراً من الأفرقاء الذين كانوا ممسكين بالحقائب الوزارية ان يكونوا قد أنجزوا الخطط الإصلاحية اللازمة، وان ينطلقوا بعد تأليف الحكومة في تنفيذها. كان يفترض أن تكون هذه الخطط جاهزة من قبل. هذا النقص أحدث إحباطاً لدى الدول التي تريد ان تساعد لبنان، خاصة وأنه كان منتظراً من الساعة الأولى للحكومة الجديدة الانطلاق في تنفيذ خططها الإصلاحية. هناك دول تريد ان تساعد لبنان خاصة وان وضعه الاقتصادي صعب جداً ووضعه المالي أيضاً، لهذا يفترض ان ينجز تلك الأمور بسرعة. لهذا نلمس نوعاً من الضغوطات التي تمارَس على المسؤولين اللبنانيين وتحثهم على عدم التأخر أكثر من ذلك في تنفيذ المخطط الإصلاحي. الدول الأوروبية قادرة اليوم على مساعدتنا لكن لديها أولويات ومشاكل مستحدثة لكنها مصرة على مساعدة لبنان لأنها لا تحتمل أن ينهار البلد وذلك لأسباب كثيرة.

هل يمكن القول إننا نعيش في عصر مكافحة الفساد؟

المقاربة التي حصلت حتى الآن لا تعطي مؤشرات إيجابية أو جدية. خلال إعطائهم الثقة للحكومة لم يبقَ أحد من الأفرقاء إلا وتحدث عن الفساد. كما لو أن الفساد آت من كوكب آخر. كما ان المقاربة التي اعتمدت من قبل حزب الله في موضوع مكافحة الفساد مقاربة خاطئة. لا أشكك شخصياً ان لدى الحزب نية في مكافحة الفساد ولكن ليس عبر هذه المقاربة التي اعتمدها. بانت المقاربة على أنها انتقامية وتصفية حسابات مع طرف سياسي آخر ويتم تحميل الوضع الاقتصادي بطريقة غير مباشرة الى الحريرية السياسية. لكن هذه المقاربة كانت خاطئة ولن أدخل في التفاصيل أكثر. كما ان المقاربة التي تقدمها الدولة لمكافحتها الفساد على ان هناك موظفاً من هنا وقاضياً من هناك وعسكرياً وأمنياً من هنا، كل هذا أمر جيد خاصة وأنهم يعلمون أين مكامن الفساد في كل الأجهزة، لكن نتمنى ان لا تقف الأمور عند إلقاء القبض على الموظفين الصغار، في حين ان هناك مسؤولين يقومون بصفقات بمليارات الدولارات. المطلوب ان يثق المواطن بأن مكافحة الفساد تطال الجميع وأن الدولة سائرة في تطبيق القوانين على الجميع وإلا يبقى الأمر كمن يرمي حجارة صغيرة في بحيرة الفساد.

ما رأيك بالمصالحة التي جرت بين الرئيس الحريري والوزير السابق أشرف ريفي؟ 

إنها خطوة جيدة ونحن نشجع كل الخطوات التي تدعو الى لملمة الصف الواحد. كما أننا رحّبنا بالمصالحة القواتية- العونية لأنها تبعد الكثير من الأضرار عن المسيحيين، نرى أن الخطوة ممتازة لضمان التضامن في الساحة السنية. ابتعاد الوزير ريفي عن الرئيس الحريري كان أمراً مستغرباً وغير مستحب. أتمنى ان تكون بداية جيدة لطرابلس لأن المصالحة جاءت في إطار الانتخابات الفرعية التي تشهدها الفيحاء. لكن من المؤكد ان تأثير هذه المصالحة على المدى المتوسط والبعيد جيد ونافع.

ماذا عن تصريحات السعودية الواعدة بصيف عامر بالسياحة والسياح بعد ان كان السفر محظوراً على الرعايا السعوديين الى لبنان؟

جميعهم يظهرون استعداداتهم لاستئناف العودة الى لبنان وكانوا ينتظرون الانتهاء من الانتخابات ومن تأليف الحكومة وينتظرون اليوم إنتاجية الحكومة.. في الوقت الذي رفعت السعودية حظر السفر الى لبنان ننتظر ان تخطو الإمارات العربية الخطوة نفسها ويتوافد السياح العرب الى لبنان. المهم ان نبقى على أداء داخلي سياسي غير استفزازي. يجب ان نعترف بأن مشكلتنا السياسية وما يدور حولها من تراشق يخلق جواً من عدم السلام رغم أنه لا حرب دائرة بيننا. السفير السعودي يبشرنا بصيف واعد وهذا الأمر على ما يبدو قد أخذه على عاتقه ويسعى الى تنفيذه. لهذا نحن نأمل كل الخير لبلدنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *