الذباب الإلكتروني يضرب المعارضين في البلدية

باسم بخاش

بدلت ثورة الإتصالات العالم وغيرت نمط حياتنا، فكانت السبب الأبرز للعولمة وإلغاء الحدود وتقريب الناس مهما بعدت المسافة الجغرافية التي تفصلهم. فأصبح هناك عالم افتراضي حيث لنا وجود وحياة ثانية في هذا العالم الإلكتروني (مثل فيلم ماتريكس الشهير)، وأصبح جزء كبير من حياتنا يمر عبر شبكات الإتصالات التي قلبت مفاهيم حياتنا التقليدية رأساً على عقب. حتى الحروب أصبحت تخاض وتشن داخل العالم الإفتراضي عبر ما يسمى “السايبر وور” (أو الحرب الالكترونية) حيث تشن جماعات معينة أو دول معادية، هجمات إلكترونية لضرب وتعطيل مرافق حكومية (شبكاتها وأجهزتها الإلكترونية) لدولة أخرى. وتكون النتيجة غالباً أكثر خطورة من الحروب التقليدية (مثل فيلم بروس ويليس

).Live Free or Die Hard

قد تأخذ هذه الهجمات أشكالاً سلمية مثل اختراق فكر الشعب عبر نشر أخبار تؤثر على توجهاتهم الفكرية وقراراتهم الشخصية مثلما حصل في الانتخابات الأميركية الأخيرة على سبيل المثال (اتهمت أميركا روسيا بتدخلها للتأثير على رأي الناخب الأميركي).

الذباب الإلكتروني يدخل في إطار الهجمات الالكترونية. هي مجموعة أشخاص يتمّ تجنيدهم للتأثير بالرأي العام عبر استخدام حسابات إلكترونية وهمية لإرسال عدد كبير من الرسائل والأفكار عبر الفضاء الإلكتروني لتنتشر كثيراً وتصبح مؤثرة وتفرض واقعًا ورأياً معينًا. فيسعى هذا الذباب إلى حرف البوصلة والرأي العام بإتجاهات أخرى سواء للدفاع عن وجهة نظر معينة، أو الهجوم على وجهة نظر أخرى مختلفة. يستخدم هذا الأسلوب عبر وسائل التواصل الإجتماعي (الفيسبوك، التويتر، الواتساب، وغيرهم)، في مختلف القضايا السياسية والإجتماعية والفنيّة والدينية، تحت هدف التأكيد على أنّ مناصري رأي محدد أو فكرة معينة هم الأغلبية. وذلك عبر استخدام الكثير من الحسابات المزيفة وإرسال عدد ضخم من الرسائل والهاشتاغ. يؤدي ذلك إلى قمع الرأي المخالف من خلال البيانات والتعليقات المعارضة عبر نشر بيانات جارحة وكاذبة على الرأي المخالف أو الجهة المستهدفة لقمعها وتهشيم صورتها. أغلب الذباب الإلكتروني هم من الأشخاص العاطلين عن العمل الذين لا يحملون شهادات ولا قيم أخلاقية أو وطنيّة فيقبلون بالقيام بإرسال تغريدات أو رسائل سوقية قذرة تدلّ على أن من يرسلها لا يتمتع بالحدّ الأدنى من الأخلاق.

غالبًا ما تكون الجهة التي تموًل وتقف وراء الذباب الإلكتروني مجهولة. كثير من أنظمة دول العالم الثالث توظف الذباب الإلكتروني وتصرف مبالغ طائلة لتلميع صورتها ولمهاجمة المعارضين ونشر الأخبار الكاذبة والفبركات عنهم لنزع ثقة الرأي العام بهم وضرب مصداقيتهم. فالبيانات الإلكترونية أصبحت أهم من المدافع والطائرات لتوجيه الرأي العام وتصويبه. وكم يصلنا يومياً العديد من الأخبار والصور عبر الواتساب أو الفايسبوك لنكتشف لاحقًا أنّها غير صحيحة. العدوّ الإسرائيلي يستخدم كثيراً هذا الأسلوب لتلميع صورته ومحاولة تشويه صورة الشعب الفلسطيني المناضل وقضيته. في الحرب السورية تمّ اللجوء كثيراً لهذا الأسلوب أيضًا، وفي لبنان يلجأ البعض لإستخدام هذا الأسلوب للتهجم وضرب مصداقية شخصيات معارضة. 

لا يخفى على أحد في طرابلس أنّ وضع البلدية سيئ جداً ولا يجوز أن يبقى أو يستمر على ما هو عليه. حوالي نصف أعضاء المجلس البلدي يعارضون الريّس ونهجه بشدّة. يعارضونه جهاراً نهاراً، داخل قاعة المجلس البلدي وخارجها وعلى رأس السّطح ودون لفّ أو دوران. وحين ننتقد أو نعارض الريّس في موضوع ما، ننتقده بجرأة أدبية وأمامه خلال إجتماعات المجلس البلدي أو خلال لقاءات خاصة (نادرة) جمعتنا معه سابقاً لمحاولة تصويب الأمور (دون جدوى). أو من خلال كتابات لنا على الفايسبوك بأسمائنا دون التلطّي خلف أشخاص آخرين أو أسماء مستعارة. تردّي حال المدينة وفشلها يعكس بجزء منه الفشل البلدي الذي لا يمكن السكوت عنه، ولأنّنا لم نفشل في حياتنا يومًا ولا نقبل بالفشل بتاتًا نلجأ أحيانًا كمعارضة إلى السّلطة الخامسة أو النشر الإلكتروني لمزيد من الضّغط بهدف محاولة تصويب الأمور، كما لمزيد من الشفافية لتكوين رأي عام حيث أنّ أبسط حقوق المواطنين أن نخبرهم ماذا يجري في أروقة البلدية. وإن كنت لا أتفق مع أسلوب بعض الزملاء المعارضين الذين يذهبون بعيداً جداً، وينتقدني البعض بأنني قاسٍ بأسلوبي النقدي المباشر. قد يكونون ربما محقين. ولكن حين تعلم أنّك جزء من السلطة (العاجزة) والقرار وتتحمل جزءاً من مسؤولية الفشل والفوضى التي تعاني منها المدينة، أعتقد أنّك إن كنت صاحب ضمير لن تستطيع السكوت أبداً، وستعاني دون أدنى شك وستصاب مثلي حتمًا من أرق وصعوبة في النوم.

في الجهة المقابلة لجأ البعض وبأسلوب قبيح إلى الذباب الإلكتروني للتشويش على أغلب أعضاء المجلس البلدي المعارضين وعلى الكثير من المعلومات الصحيحة التي ننشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي. بل ذهب هذا الذباب بعيداً إلى التّهجم الشخصي علينا بطريقة مسيئة جداً وقذرة لتشويه صورتنا وتخويننا عبر نشر الأكاذيب حولنا واتهامنا بأقبح الإتّهامات. وإرسال ذلك لأعداد كبيرة من أهل طرابلس وبشكل مستمر. كلّما كان عضو المجلس البلدي معارضاً أكثر تعرّض له الذباب الإلكتروني أكثر. كاتب هذا المقال هو من أكثر الأعضاء الّذين طالتهم هجمات الذباب الإلكتروني التي كانت تلجأ في نفس الوقت إلى المديح بالريس وتلميع صورته. مع عدم الاقتراب من أعضاء المجلس البلدي غير المعارضين. لهذا قام منذ فترة وجيزة مجموعة من أعضاء المجلس البلدي (المعارضين) بتقديم شكوى للجرائم الإلكترونية وتكليف محامٍ لمتابعة هذه القضية لكشف الذباب ومحاكمته. أعتقد أنّ كشفهم سيشكل فضيحة لأننا شبه واثقين من هويتهم الحقيقية. وخصوصاً أن أحد الذباب الالكتروني القدامى (والذي تولى سابقاً مهمة مهاجمتنا) توقّف وتاب عن عمله السابق وقدّم لنا إعترافات عن طريقة عمله وكيفية تنسيقه مع الريس (بشكل مباشر أحياناً أو غير مباشر أحياناً أخرى عبر سكرتيرته أو أحد العاملين في البلدية من أتباع الريس م. م.). 

ختاماً، وسائل التواصل الاجتماعية مليئة بالأخبار والآراء الكاذبة لإيهام القارئ أن هذا هو الرأي الحقيقي. على المتصفّح أن يختار ويتمتع بالوعي لعدم التصديق وعدم إعادة الإرسال من جديد. قد يكون هناك جهات نافذة وراء هذه الآراء المفبركة حيث الذباب يعمل لبث قذارته. 

لن يتحول الذباب يوماً إلى نحل ولن يثنينا عن الاستمرار بقول الحق وإعلاء الصوت عالياً وعالياً جداً: “إرفع علم الحق يتبعك أهله”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *