لا معارك ولا مغريات ولا وعود في الإنتخابات الفرعية لدائرة طرابلس الصغرى

كان لزاماً على المجلس الدستوري 

ما رفض الطعن من الأساس أو إعلان فائز من اللوائح الأخرى

المواطن في حالة يأس من الطبقة السياسية

 والثقة بكل التيارات السياسية في أدنى مستوياته

جاء قرار المجلس الدستوري ليبطل نيابة السيدة ديما الجالي وليسلط الضوء من جديد على مكامن الضعف في قناعة المواطن بفعالية المشاركة في العملية الإنتخابات، مع العلم أن التصويت هو تعبير عن رغبة المواطن في انتقاء من يريده لينتدب عنه في القبة البرلمانية وليكون صوتاً قوياً له أمام السلطة التشريعية.

نسب المشاركة في الإنتخابات النيابية الماضية التي جرت في شهر أيار من العام 2018 لم تكن مشجعة ولم تتخطَّ نسبة المقترعين في دائرة طرابلس الـ33%. إذن، ما هو الحافز الذي سيدفع بالمواطنين مجدداً في دائرة طرابلس الصغرى التي تشمل طرابلس، الميناء، القلمون والبداوي للنزول والاقتراع في الإنتخابات الفرعية المنوي إجراؤها؟

المواطن في حالة يأس من الطبقة السياسية

بداية، كانت محطتنا الأولى مع الأستاذة غادة إبراهيم، محام بالاستئناف، حيث علقت بالتالي: “جاء قرار المجلس الدستوري كما كان متوقعاً بقبول الطعن سنداً لفارق الأصوات بين لائحتي المستقبل والكرامة، غير أنه لم يعلن فوز الطاعن ناجي، وقرر إعلان المقعد السني الخامس في طرابلس شاغراً،وإلدعوة الى انتخابات فرعية لهذا المقعد على أساس القانون الأكثري، مستنداً في قراره هذا الى قانون المجلس الدستوري نفسه الذي يعطيه الحق عند قبول الطعن بالاختيار بين إعادة الانتخاب أو اعتبار الطاعن فائزاً .وفي هذا الخيار الذي اعتمده المجلس الدستوري، أي إعادة الانتخاب قد توسع في صلاحياته معتبراً ذلك اجتهاداً قانونياً، مع العلم أنه لا اجتهاد في معرض النص. أما وقد صدر القرار، وهو مبرم لا يقبل أي طريق من طرق المراجعة، فالانتخابات ستحصل وفقاً للقاعدة الأكثرية وفي الدائرة الصغرى أي دائرة طرابلس .وهكذا يكون قرار المجلس الدستوري قد وضع عناصر العملية الانتخابية وأدخل القاعدة الانتخابية في صلب التجاذب السياسي .ولرسم صورة الانتخابات المقبلة نرى أنه سيكون محورها الأساسي رد الفعل وليس الفعل. فالناخب سينتخب إما منتصراً لديما جمالي أو منتصراً لطه ناجي. وبانتظار ترشيحات أخرى يمكنها ان تشكل خياراً آخر للناخب وتحفز المواطن للمشاركة بالاقتراع أتوقع ان تكون نسبة المشاركة في أدنى مستوياتها. أن التجارب الانتخابية السابقة نادراً ما تعدت نسبة المشاركة الأربعين بالمئة، وفي الانتخابات البلدية الأخيرة لم تتجاوز النسبة ٣٠ بالمئة .من جهة ثانية، عامل الاستقطاب السياسي في ضوء الأوضاع الحالية السيئة للبلد الذي أقل ما يقال فيها إننا على حافة الانهيار، ليس له التأثير الكافي لتحفيز الناس للانتخاب، فالمواطن في حالة يأس من الطبقة السياسية، والثقة بكل التيارات السياسية في أدنى مستوياتها. وبما أن الانتخابات محصورة بمقعد واحد هو المقعد السني الخامس، فربما يشعر أبناء الطوائف الأخرى بعدم الاهتمام بها، إذ تعود الناخب، وبكل أسف، أن لا يهتم إلا بالنائب عن طائفته ومذهبه. إن انشغال المواطن بهمومه اليومية خاصة الأوضاع الاقتصادية سيبعده عن الاهتمام بالانتخاب، خاصة وان هذا المقعد لن يشكل تحولاً سياسياً في البلد أو تغييراً في الخارطة السياسية.”

لن تغيير هذه الإنتخابات أي شيء من المعادلة الحالية

توقفنا في محطتنا الثانية مع الدكتور جان جبور الذي علق بدوره على الموضوع قائلاً: “من يراقب من بعيد، يرى أن هذا الحدث بحد ذاته يسلط الضوء على منحيين: المنحى الأول هو عمل المؤسسات في الدولة، أما المنحى الثاني فهو الممارسة الديمقراطية. ما يلفت الإنتباه في المنحى الأول هو مؤسسة القضاء. لم أفهم حتى الآن ما هي طبيعة هذا القرار الذي صدر عن المجلس الدستور. إن عمل القضاء ليس تدوير الزوايا، إنما الحسم القاطع في موضوع ما. فإما أن يُرفض الطعن من أساسه مع إعطاء الحجة ويقفل هذا الملف نهائياً. أما وأنه قد قبل الطعن، فكان الأحرى أن يمتلك المجلس الدستوري الجرأة أن يعلن ان هذا قد خسر وفاز مكانه ذاك. هذا القضاء ورغبته في تدوير الزوايا ورمي الكرة في ملعب الآخرين أعاد حالة الإشتباك بين الناس بينما نحن في غنى عن هذا الأمر. إن البلد وبعد تسعة أشهر من الإنتظار لكي تتشكل الحكومة كان في حاجة الى انطلاقة تعيد الأوكسجين له وللمواطنين، جاء المجلس الدستوري بهذا القرار الذي أعاد مجدداً خلط الأوراق. في المنحى الثاني أي الممارسة الديمقراطية تعيدنا في الذاكرة لما حصل منذ سنة تقريباً من نسب انتخاب متدنية وما دفع الناس الى الانتخابات والعوامل المحفزة للعملية الانتخابية. نحن الآن أمام اختبار آخر لممارسة الديمقراطية ستكشف مجدداً عورة هذا البلد وعورة ديمقراطيته. سنعود لنشهد مجدداً الانقسامات الحادة والبازارات من تحت الطاولة. انكشاف آخر لوضع الديمقراطية في البلد سيكون على حساب طرابلس. نتمنى ان تكون هذه الممارسة الجديدة، وإن يكن على مقعد واحد أو مقعدين، ان تكون تدريباً آخر وتحصيناً آخر للممارسة الديمقراطية دون ان يدفع للمواطنين مال انتخابي ودون ان يتم تحفيزهم مذهبياً أو مناطقياً، وان يتجاوبوا مع هذا الانتخاب بدافع أنه واجب وطني. لن تغير هذه الإنتخابات أي شيء من المعادلة. أن منهج التعاون بين كل الفرقاء الذين تم انتقاؤهم من قبل الشعب غير قائم. وبالتالي نائب جاء لهذا الفريق أو ذاك لن يقدم ولن يؤخر.”

أساء المجلس الدستوري استعمال السلطة الممنوحة له

أما المحطة الأخيرة فكانت مع الدكتور بشير مواس الذي أبدى ملاحظاته على الشكل التالي: “ما حصل على صعيد القرار الذي أصدره المجلس الدستوري مؤسف لجهة إبطال نيابة أحد النواب والدعوة الى إجراء إنتخابات فرعية. يمكن للمجلس الدستوري التدخل حين تثبت حالة التزوير ويثبت أن هناك أصواتاً وهمية قد أضيفت وتصبح الأمور مبهمة أمام أعضائه فحينها يدعون الى إجراء إنتخابات فرعية. لكن عندما يثبت أن هذه اللائحة خسرت الحاصل الثالث التي حصلت عليه، فتصبح أي لائحة أخرى لديها حاصل أعلى منه لو بجزء من مليون تحصل هي بالتالي على المقعد. ان قرار المجلس الدستوري بإجراء الانتخابات يعتبر إساءة للسلطة المعطاة له. سيخلق هذا الوضع الجديد، أي الانتخابات الفرعية، إرباكاً لدى المواطنين. فنحن في ظل المعركة الإنتخابية العامة ومع كل ما يشملها من تجييش سياسي وغيره من وسائل الترغيب، يمكن ان تؤمن نسبة ما يقارب 30%. أما وأن يتم الآن الدعوة الى إجراء انتخابات فرعية فلن تأتي نتائجها معبِّرة فعلاً عن مناخ الشارع بشكل واضح أو تكون انعكاساً لرغبة الناس. من جهة ثانية، إن اهتمام الناس يصب في مكان آخر وهم غير مهتمين في إجراء تلك الانتخابات خاصة وأنهم يعيشون في ظل أزمة اقتصادية، اجتماعية وتنموية. لهذا لن يتجاوب المواطنون مع الدعوة الى الانتخابات. سمعت من بعض المقربين للسياسيين ان هذا الموضوع متفق عليه مسبقاً. لكن ان يدخل المجلس الدستوري في هذه الصفقة فهذا أمر ينزع عنه صفة الحيادية. ان المشاركة في الانتخابات الفرعية لن تكون كبيرة ولن تتعدى نسبة الـ15%. خاصة ان المعركة ستكون على مقعد واحد وهذا الأمر لن يغير من حجم الكتلة السياسية في البرلمان ولم يعطِ أي كتلة منها الأكثرية. لن يكون هناك شحن للواقع الانتخابي ولا تحفيزات ولا إغراءات للمواطنين لكي ينصبوا على عملية الاقتراع. لن يكون هناك من مغريات ولا وعود بأي شيء. هذه الانتخابات الفرعية ستكون خارج اهتمام المواطن. ولن تحفز الكثيرين بالنزول والإقتراع لأنها أقل من أمر هامشي. لكن لو كنا في الإنتخابات النيابية العادية لكان هذا الأمر واجباً وطنياً يفترض أن يقوم به المواطن وأن يكون مسؤولاً عن الأشخاص الذين صوّت لهم. حتى الآن، لم يتجرأ أحد ليعلن موقفه من الانتخابات الفرعية إلا الرئيس سعد الحريري الذي قال ان أي قرار لن يغير من قوة تمثيلي في مدينة طرابلس. ويبقى الآخرون في حالة تريث ولم يصدر عنهم أي قرار يؤكد أو ينفي مشاركتهم في الإنتخابات الفرعية.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *