توظيف 5 آلاف شخص خلافاً للقانون… والناحجون في مجلس الخدمة على الرف فضيحة بكل المقاييس القانونية والأخلاقية.. ومجلس النواب يضع يده على الملف

تقرير خاص- “البيان”

ثبت بالوجه الشرعي الملموس ان لبنان بلد الفضائح بامتياز، بدليل الفضائح التي تطالعنا كل صباح، وآخرها كان توظيف حوالي 5 آلاف شخص بشكل عشوائي وخلافاً للقانون وبغفلة عن أي رقيب أو حسيب وبالطبع هؤلاء من المحظوظين كونهم من المحاسيب والأزلام والعدة الانتخابية للرؤساء والوزراء والنواب وكل من لفّ لفهم، والقصة تعود للعام 2017 عندما أقر مجلس النواب قانون سلسلة الرتب والرواتب الذي ورد في مادته الـ21 تجميد التوظيف والتعاقد وإجراء مسح شامل لملاك الدولة لمعرفة الحاجات،على اعتبار ان الخزينة أرهقت بما سيترتب عليها من تكاليف لتمويل السلسلة، لكن ما حصل ان كل وزير فتح دكاناً على حسابه وبدأ حشو أزلامه وأنصاره في الوزارات والادارات والمؤسسات العامة  ورمى المادة 21 في سلة المهملات وتجاوز الخطوط الحمراء رغم معرفته ان الخزينة فارغة والدين العام وصل الى 87 مليار دولار والعجز حدث ولا حرج والاقتصاد متعثر والمالية العامة تئن.

فالتفتيش المركزي انجز تقريراً بهذا الخصوص ورفعه الى الجهات المختصة لاسيما لجنة المال والموازنة النيابية  وتحدث عن توظيف 4695 موظفاً من آب 2017 وحتى اليوم، اضافة الى387 موظفاً دخلوا عبر الخدمة المدنية بقرار من مجلس الوزراء، و453 دخلوا “أوجيرو” عام 2018، فيما وظفت وزارة التربية أو تعاقدت مع 3305 أشخاص، حيث ان مجموع الحالات في الإدارات العامة بلغت 829 لاسيما في الخارجية والثقافة والبيئة ورئاسة الجمهورية والتفتيش المركزي ورئاسة مجلس الوزراء ومجلس الخدمة وديوان المحاسبة والداخلية والعدل والمال والأشغال والاقتصاد والزراعة والاتصالات والعمل والشباب والرياضة  والصناعة والطاقة والصحة والشؤون الاجتماعية سواء بالتعاقد او الفاتورة،  وكذلك في المؤسسات العامة، حيث وصل العدد الى 656 من مدراء الى أعضاء مجالس إدارة لاسيما في المجلس الاقتصادي والاجتماعي وفي المستشفيات الحكومية من الياس الهراوي، فتوح كسروان، جزين، طرابلس، صيدا، الكرنتينا، مشغرة، بعلبك، وفي المكتبة الوطنية ومؤسسات المياه في كل المناطق ومصلحة الليطاني وصندوق المختارين والتعاونيات وكهرباء لبنان وصندوق المهجرين ومجلس الجنوب ومصلحة الابحاث الزراعية ومصلحة استثمار طرابلس والمؤسسة العامة للاسكان وغيرها.

أمام هذه الفضيحة التي ظهرت الى العلن لاسيما وأنها سترتب أعباء مالية ضخمة على الخزينة والموزانة العامة، حيث تبلغ تكلفتها المباشرة حوالى 90 الى مئة مليار ليرة، ناهيك عن التكاليف البعيدة المدى بما يتعلق بتعويضات نهاية الخدمة ونظام التقاعد، ما دفع رئيس مجلس النواب نبيه بري للتحرك والتأكيد ان هذا الأمر لن يمر مرور الكرام، بلا محاسبة ومساءلة، وأوعز الى لجنة المال والموازنة لعقد اجتماعات بهذا الخصوص، حيث عقدت اجتماعين برئاسة رئيسها ابراهيم كنعان بحضور المعنيين لاسيما التفتيش المركزي، أكد كنعان بعدها ان الكلام عن هذا التوظيف أكثر من صحيح، مشيراً الى ان هذا العدد هو في الوظائف المدنية فقط من دون القوى الأمنية في وقت ينص قانون الموازنة على وقف كل شيء يتعلق بتعاقد أو بتعيين أو بتوظيف قبل أن نقوم بكشف على الوظائف، لا بل تبين للجنة ان هناك 15200 بين موظف ومتعاقد جرى التعامل معهم خارج التوصيف الوظيفي المطلوب، إلا ان كنعان أكد مرة أخرى ان المسار سيكون جدّياً في متابعة ملف التوظيف ونتائجه أكبر من المخالفات، وقال: لا يتكل أحد على حماية سياسية أو السقف العالي بالمواقف لأننا صممنا على الذهاب بملف التوظيف للنهاية وليتحمل الجميع مسؤولياتهم تجاه الرأي العام.

وأحال كنعان توضيح وزير التربية أكرم شهيب الى تقرير التفتيش والذي أشار فيه الأخير الى ان أساتذة التعليم الثانوي المتمرنين والذين كانوا قد نجحوا في مباراة لمجلس الخدمة المدنية تم تعيينهم بوظيفة أستاذ تعليم ثانوي وعددهم 2173 أستاذاً، ينفذون من ضمن منهج الإعداد لشهادة الكفاءة في كلية التربية عشر ساعات تدريس أسبوعياً في الثانويات الرسمية وذلك بمثابة مقرر تدريبي ضمن برنامج إعدادهم، ويتقاضون رواتبهم من الجامعة اللبنانية ريثما يصدر مرسوم تثبيتهم بعد النجاح فتصبح مرجعيتهم الإدارية والمالية في وزارة التربية، فيما تعاقدت وزارة التربية  مع 30 إختصاصياً تربوياً في التربية التقويمية المختصة لذوي الحاجات الخاصة والصعوبات التعلمية في المدارس الرسمية بناء على قرار مجلس الوزراء، ورفعت ساعات التعاقد للمتعاقدين القدامى في الثانويات والمدارس والمهنيات الرسمية لتغطية الحاجات الناتجة عن تفريع بعض الصفوف أو الحلول مكان المعلمين والأساتذة الذين بلغوا سن التقاعد، ووزعتهم على المدارس والثانويات الرسمية  التي شهدت شغورا، وبذلك يكون هؤلاء متعاقدين قدامى وليسوا من الجدد على اعتبار أن القانون لا يسمح بالتعاقد الجديد ولكنه لا يمنع زيادة ساعات المتعاقدين الموجودين أساسا لتغطية الحاجة.

وما جرى يوضع برسم الجميع، خاصة وان هذا التوظيف  يعتبرتجاوزاً للقانون لاسيما قانون السلسلة وقانون موازنة  2017 التي قيدت أي قرار يصدر عن مجلس الوزراء بضرورة الاستناد الى مراجعة وتدقيق عملية تقوم بها “إدارة الأبحاث والتوجيه”، بمعنى أنّ قرار مجلس الوزراء بالتوظيف ليس مبرراً قانوناً دون اللجوء الى الإدارة المذكورة التي تُحدّد الحاجة من عدمها، وهو مخالف للمادة 13 من قانون الموظفين التي تنص على أنّ كل توظيف لا تراعى فيه الشروط القانونية هو غير قانوني وبالتالي غير نافذ، وكذلك للمرسوم الاشتراعي رقم 112 الذي ينص في إحدى مواده على أن الوزير يتعاقد مع لبنانيين أو أجانب لمدة محددة للقيام بعمل معين يتطلب معارف ومؤهلات خاصة، ضمن حدود الاعتمادات المخصصة لهذه الغاية في الموازنة وفي نطاق العدد المحدد فيها، فيما المرسوم 10183 حدّد أصول التعاقد وأحكامه بأن تضع الإدارة الراغبة في التعاقد بياناً يحدد حاجتها إلى هذا التعاقد والتعويضات المنوي تخصيصها لكل صفة تعاقدية، ويحال طلب التعاقد يسند الدور الأساسي الى مجلس الخدمة المدنية، إضافة الى ان المادة 57 من قانون المحاسبة العمومية تقول ما حرفيته: لا تعقد نفقة إلا إذا توافر لها اعتماد في الموازنة، ولا يجوز استعمال الاعتماد لغير الغاية التي رصد من أجلها.

وليس هذا فحسب بل كيف يعقل ان يعين 5 آلاف خلافاً للقانون كمجرد تنفيعة للأنصار والأزلام، ناهيك عن 15200 لا حاجة لهم، في حين ان الذين خضعوا لامتحانات في مجلس الخدمة المدنية وفازوا لم يتم تعيينهم منذ ثلاث سنوات بحجة عدم وجود توازن طائفي وهم من الفئات الثالثة فما دون التي لا تتطلب المناصفة الطائفية، كما حددت المادة 95 من الدستور، واقتصرت على الفئة الأولى، ويتوزعون في وظائف شاغرة في المديرية العامة للطيران المدني، وكحرّاس أحراج، وكمحللين اقتصاديين، وفي المعلوماتية وكأمين صندوق لصالح وزارة المالية، محاسبين لصالح مؤسسة مياه لبنان الشمالي، وفائض المؤسسة الوطنية للإستخدام، إضافة الى أساتذة في التعليم الثانوي وموظفين في الفئة الثالثة في وزارة الخارجية؟. 

فهل هكذا تبنى الدولة والمؤسسات في الوطن أم ان لبنان سيبقى مزرعة يتقاسم خيراتها أمراء الطوائف والمذاهب وأهل الحل والربط؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *