التقشف الرئاسي في الرحلات الخارجية خطوة رمزية … والحل يكون بوقف الهدر والفساد في إدارات الدولة

محرر الشؤون المحلية

خطوة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بالسفر الى تونس للمشاركة في القمة العربية في التي ستعقد أواخر الشهر الجاري دون وفد إعلامي تطبيقاً لسياسة التقشف في أسفار كبار المسؤولين، ما يذكّرنا برئيس الحكومة الأسبق سليم الحص أطال الله في عمره الذي كان يتشقف في سفراته الخارجية ولا يستقل طائرة خاصة بل يعتمد الدرجة السياحية في طيران الشرق الأوسط وبنزل في فنادف رخيصة ولا يعيش الترف والبذاخة هو والوفد المرافق في تنقلاته الخارجية.

واليوم فخطوة الرئيس عون هي إحساس بالمسؤولية الوطنية واعتراف بأن البلد يعيش أزمة مالية اقتصادية خانقة لا بد معها من اعتماد سياسة التقشف وشد الأحزمة، وتقديم المثال من “بي الكل” ورأس الهرم ان الأيدي يجب ان تتشابك لإنقاذ لبنان من الوضع الاقتصادي المتردي والقيام بخطوات عملية تصب في هذا الاتجاه، لكن هذه البادرة تبقى رمزية ولا تقدم أو تؤخر في وقف النزف المالي الحاصل ولا بد من عملية جراحية واسعة النطاق لوقف الهدر والفساد الذي يكلف لبنان مباشرة وغير مباشرة 10 مليارات دولار سنوياً، وهي عملية أهون ما يكون تتمثل بتطبيق القانون فقط كما قال رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي سبق ان اعتبر ان المعيار الأول لمكافحة الفساد يكمن في تطبيق القانون وهناك أمور وافية ولكنها غير كافية لمحاربة الفساد. 

وتأتي خطوة الرئيس عون ضمن إطار الوعد الذي أطلقه عندما قال إنّ عملية مكافحة الفساد انطلقت ولن تتوقف مهما كانت الضغوط والمداخلات، مشيراً الى ان للنيابة العامة المالية دوراً أساسياً في مكافحة الفساد من خلال التدقيق في الملفات التي تحال إليها ومقاربتها بحزم وعدالة وتجرد، لافتاَ الى ضرورة مواجهة الضغوط التي يمكن ان يتعرض لها القضاة بجرأة ومسؤولية لاسيما وأن المسيرة الإصلاحية ستشهد زخماً بعد تشكيل الحكومة الجديدة.

والبداية تكون  في تطبيق القانون ومحاسبة الفاسدين والمفسدين واتباع سياسة التقشف في سلوك الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة والمصالح المستقلة بدءاً من أعضاء الحكومة عبر الابتعاد عن أسلوب الترف لجهة التخفيف من المصاريف العامة في وزارتهم وتقليل عناصر الحماية الشخصية والمواكب وإعطاء التعويضات كيفما كان ووقف المكافآت العشوائية، إذ لا يعقل ان يكون موكب أي مسؤول مؤلفاً من عشرات السيارات وأغلبها من النوع المصفح، ورؤساء جمهوريات وحكومات الخارج وفي دول كبرى وعظمى يستقلون القطار أو الدراجة أو سيارة صغيرة للوصول الى مراكز عملهم.

وهنا الشيء بالشيء يذكر، فقد ذكر تقرير ان عدد سيارات الدولة بلغ 12 ألف سيارة تشتريها الحكومة أو تصلها كهبات لمصلحة الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة والبلديات وتدفع ثمنها من المال العام وكذلك نفقات الصيانة والتأمين والمحروقات وغيرها، وكل ذلك خلافاً للأنظمة والقوانين، حيث يحدد المرسوم الاشتراعي رقم 27 تاريخ 18-1-1955 المراجع والمؤسسات التي تضع الحكومة بتصرفها سيارات وهي: 3 سيارات لرئاسة الجمهورية إحداها للتشريفات، سيارتان لرئاسة مجلس الوزراء إحداها للتشريفات، سيارتان للتشريفات في وزارة الخارجية والمغتربين، وسيارة واحدة لكل من: مفتشية قوى الأمن الداخلي- مديرية الأمن العام- قيادة الدرك- قيادة الشرطة.

أضف الى ذلك ان المباني التي تستأجرها الوزارات والإدارات تكلف حسب موازنة 2017 أكثر من 117 مليار ليرة وهي للفخفخة لا حاجة لها رغم ان السراي الحكومي على سبيل المثال تعتبر أكبر مجمع حكومي يمكن ان يضم كل الوزارات ويختصر التكاليف لكن للأسف كل وزارة أو إدارة أصبحت “سراي” لوحدها، ومبنى الإسكوا وحده يكلف 15 مليار سنوياً، في وقت تترك المشاعات والأملاك البحرية والنهرية للناهبين على عينك يا تاجر.

والتقشف يبدا من ملفات الكهرباء التي تكلف الخزينة سنويا ملياري دولار رغم ان التقنين موجود والمواطن يدفع فاتورتين، والاستعانة بالبواخر بدعة وتطرح علامات استفهام، والنفايات حدث ولا حرج تحوم حولها الشبهات، والتلزيمات تحصل دون مناقصات وبالسمسرات، والتهرب الضريبي يحرم الخزينة مليار ونصف سنوياً، والتهريب عبر المرافئ الشرعية البرية والجوية والبحرية شغال دون حسيب أو رقيب، وحشو الإدارة بحوالي 5 آلاف متعاقد خلافاً للقانون وكتنفيعة انتخابية لأهل السياسة رغم وجود 15200 دون توصيف وظيفي ناهيك عن الرشاوى في العاملات في كل أجهزة الدولة والهدر في المناقصات والمشتريات والصفقات في كل عملية تخص أي وزارة أو إدارة، فمن هنا البدء وإلا سيبقى البلد تحت وطأة الديون والعجز المالي والفساد بكل أشكاله. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *