ثقة مفقودة بالمصارف

حتى وقت قريب جداً، كان القطاع المصرفي في لبنان يعتبر أحد الركائز الأساسية لبقاء البلد واقفاً على قدميه ومنع انهياره، لا بل إن هذا القطاع كسب شهرة قاربت حدود الأسطورة وأنه يسهم في عملية النمو الإقتصادي في لبنان، عبر استثماراته وتوظيفاته في الداخل والخارج، وأنه نموذج يضرب به المثل للنجاح اللبناني في عالم الإقتصاد والمال والأعمال.

وخلال السنوات الماضية، وبفضل هذا النجاح الذي كانت المصارف اللبنانية تحققه، زادت معه نسب أرباحها السنوية بملايين الدولارات، وهو أمر كانت تنشره في إعلانات سنوية في الصحف اللبنانية، كنوع من جردة حساب كانت تقدمها لزبائنها بالدرجة الأولى، وإلى جميع القطاعات الإقتصادية بالدرجة الثانية، ما أكسبها قوة حضور وتأثير في أكثر من جانب، ما جعل البعض يعتبر أن القطاع المصرفي هو سرّ قوة لبنان وصموده في مواجهة الأزمات.

لكن فجأة وبلا مقدمات، وبعد أيام من اندلاع شرارة الحراك الشعبي في 17 تشرين الأول الماضي، شاب إرباك غير مفهوم أداء المصارف، بدأ تحديداً بعد فترة إقفالها القسري بسبب الإعتصامات والتظاهرات أمام أبوابها، وإجبار المحتجين للمصارف على الإغلاق، بعدما حملوها مسؤولية قسم كبير من الأزمة الإقتصادية في البلاد.

لكن ما كادت المصارف تعود إلى العمل بعد أيام حتى تبين حجم الفضيحة والكارثة التي تعاني منها، إذ توقفت عن إعطاء المودعين أموالهم، تحت حجة عدم توافر السيولة، أو الموافقة على أي تحويلات مالية إلى الخارج لإبرام عقود تجارية وغيرها، وسط شائعات عمّت البلاد أن أموال المصارف جرى نقلها وتهريبها للخارج، وأن كبار المودعين من سياسيين وأثرياء، هم من استفادوا لوحدهم من هذه المعاملة المميزة، في حين إمتنعت المصارف عن السماح لصغار ومتوسطي المودعين سحب ما يحتاجونه من أموال لأعمالهم أو لمعيشتهم، سوى بمقدار ضئيل بالكاد يسد الرمق أو يقضي الحاجات.

هذه الممارسات غير المقبولة جعلت غضب المودعين ينصبّ على المصارف من كل اتجاه، بعدما فقدوا ثقة المواطنين بهم، وهي ثقة لن تستطيع المصارف إستعادتها بسهولة، بعدما فضل المودعون منازلهم على المصارف لادخار ما لديهم من أموال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *