الحريري دفع ثمن التسوية الرئاسية وتساهله مع باسيل

يقول الفيلسوف الإيطالي نيكولو مكيافيلي ان”السياسة فن الممكن “لكنها للأسف أصبحت مع رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري فن المستحيل وكأنه لم يتعلم من تجاربه الحكومية  خلال السنوات الماضية بعدما شكّل ثلاث حكومات بدءاً من العام 2009، فهو يتخبط يمينا ويساراً وينسج تحالفات ظرفية تسقط عند أول امتحان ويبتعد عن الحلفاء في محطة ويتقرب من الخصوم في محطة أخرى ما ينطبق على مسيرته قول “ان لا خصومة دائمة ولا لقاءات دائمة في السياسة”، لكن لا يجوز ان تكون على حساب المبادئ والواقعية  السياسية بهدف الوصول بأي ثمن الى كرسي الرئاسة الثالثة.

فالحريري الذي ورث التركة السياسية لوالده الشهيد رفيق الحريري عام 2005 عمد مع الحلفاء في 14 آذار الى الانضواء في تحالف انتخابي خماسي مع حركة أمل وحزب الله وهما من خصومه آنذاك ومع حليفيه القوات والحزب التقدمي ليطيح بالعماد ميشال عون الذي سموه يومئذ بـ”التسونامي”رغم ان عون كان في صلب حركة 14 آذار .

وفي 9 تشرين الثاني من العام 2009 كلف الحريري بتشكيل حكومته الأولى التي ضمت معظم الأطراف السياسية رغم أنه كان يملك مع 14 آذار الغالبية النيابية، لكن ما حصل ان وزراء حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر ومعه الوزير الملك عدنان السيد حسين استقالوا في 12 كانون الثاني من العام 2011 بسبب خلافات حول ملف شهود الزور بجريمة اغتيال الحريري الأب، لكن رغم ذلك نسج الحريري عام 2016 تسوية مع العماد ميشال عون قضت بتأييده للوصول الى رئاسة الجمهورية على ان يكون الحريري رئيس الحكومة العتيد خلافاً لرأي حلفائه ومزاج تياره وشارعه، وشكل حكومته الثانية  في تشرين الثاني من العام 2016 من كل الأطراف، لكن ما حصل أنه استقال فجأة من العاصمة السعودية الرياض في 3 تشرين الثاني من العام 2017 بعدما تلا بياناً متلفزاً ضد حزب الله وإيران ليتبين أنه كان معتقلاً هناك وتعرض لسوء معاملة، وتدخلت فرنسا لإخراجه من هناك، فيما سجل موقف حازم للرئيس عون ولرئيس المجلس نبيه بري ولحزب الله في مناصرة الحريري عكس حلفائه الذين دعوا الى تشكيل حكومة جديدة برئاسة شخص آخر وطرح آنذاك اسم شقيقه بهاء، وانفض من حوله أنصاره، ليعود بعد الانتخابات ويشكل حكومته الثالثة في 31 كانون الثاني من العام 2019، لكن ما حدث ان الحريري تساهل كثيراً مع التيار الوطني الحر الذي كان لوحده يملك الثلث المعطل في الحكومة وأخذ عليه البعض انه فرّط بصلاحيات رئاسة الحكومة  وبحقوق الطائفة السنية في التعيينات والتوظيفات غامزين من قناة الوزير جبران باسيل، الأمر الناهي بإسم عمه الرئيس عون والذي كانت يفرض ما يريد ويعين من يحب بتوقيع من الحريري الذي آثر الصمت والقبول حرصاً على مصير الحكومة وضناً بالبلد وبالوفاق فيه وكي لا تتعطل الحكومة ويعود البلد الى أيام الفراغ، خاصة وأنه سبق ان عاش لسنتين ونصف فراغاً رئاسياً حتى انتخاب العماد عون وتعطيلاً حكومياً لشهور، فيما لم يكن حازماً في السياسة الخارجية بوصفه رئيساً للحكومة وكان باسيل الدينامو في هذا المجال حتى ان مواقفه في الاجتماعات العربية كانت مخالفة لرأيه ومحط امتعاض بعض الدول العربية التي يؤيدها الحريري لا بل كان متسامحاً الى أقصى الحدود في مسألة العلاقة مع سوريا وأفسح المجال لوزراء ان يزوروها دون إذنه ودون تنسيق معه، وكأن كل وزير “فاتح دكان على حسابه” الى ان استقال في 28 تشرين الأول بعد ثورة 17 تشرين الأول دون تنسيق مع أحد، وترك الأمور على غاربها، حتى ان حكومة تصريف الأعمال لم تجتمع مرة لتعالج الأزمات التي عانى منها البلد لتصبح التسوية في خبر كان، لكن الحريري خسر كل تحالفاته بدءاً من القوات التي أخذت عليه التساهل مع التيار الحر على حسابها سواء في التعيينات أو الصفقات أو التوزير ما جعلها تستنكف عن تسميته في الاستشارات النيابية الأخيرة، الأمرالذي صدمه وحزّ في نفسه وجعله يرفض الترشح طالما ان أكبر مكونين مسيحيين لن يسميّاه حرصاً على الميثاقية، أو خلافه المتكرر مع الحزب التقدمي الاشتراكي الذي ساد معه خصام وسجال حاد وصولاً الى الكتائب التي سبق ان تخاصم معها قبل تشكيل الحكومة، فيما عمد الى تحريك شارعه لقطع الطرقات رغم إعلانه رفضه لهذا الأسلوب ظناً منه ان الضغط بالشارع لمحاصرة الرئيس دياب سيجعله يعتذر عن التأليف، إضافة الى تعبئة الرأي العام السني ضده بما في ذلك دار الإفتاء ونادي رؤساء الحكومات السابقين، لا بل يحكى ان الغطاء الإقليمي والدولي رُفع عنه بسبب تفريطه بالكثير من المسلمات حتى بات اليوم في وضع لا يحسد عليه، وأصبحت الحريرية السياسية أمام مفصل خطير يستوجب إجراء عملية نقد ذاتي ومراجعة شاملة للمواقف وتنقية العلاقات مع الفئات اللبنانية والعربية والدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *